المحاصصة تفرض كلمتها باستبدال المديرين الفاسدين في الوزارات

مناصب مسجلة باسم الكتل السياسية
المراقب العراقي/ احمد سعدون..
كشفت الأزمة المالية التي يمر بها العراق، بالتزامن مع حملات ملاحقة ملفات الفساد، عن حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، ولا سيما الوزارات التي تتولى إدارة قطاعات حيوية وتمتلك موازنات ضخمة ومشاريع بمليارات الدنانير.
وتزامنت هذه التطورات مع توقيف عدد من المسؤولين من وكلاء ومديرين عامين في وزارتي النفط والكهرباء على خلفية ملفات يجري التحقيق فيها، الأمر الذي أعاد الى الواجهة ملف إدارة المناصب العليا في الوزارات ومدى تأثير المحاصصة الحزبية في اختيار شاغليها.
ويرى مراقبون، أن اعتماد المحاصصة في توزيع المناصب الوزارية والإدارية العليا، بدءاً من الوزير وصولا الى الوكلاء والمديرين العامين، ساهم في اضعاف معيار الكفاءة والتخصص، وحوّل بعض المؤسسات الحكومية الى ساحات نفوذ حزبي، بدلا من ان تكون إداراتها قائمة على المهنية والاختصاص والمصلحة العامة.
وأشاروا الى ان “خطورة هذا النهج لا تقتصر على توزيع المناصب، بل تمتد الى طريقة إدارة العقود والمشاريع والاستثمارات والتعيينات، خصوصا في الوزارات التي تمتلك موازنات كبيرة وتنفذ مشاريع واسعة، مؤكدين، ان ضعف الرقابة وتداخل المصالح السياسية والإدارية ساعد بفتح منافذ واسعة أمام هدر المال العام والفساد.”
ولفت مراقبون الى ان “من أبرز مظاهر الخلل هو بقاء بعض المناصب الإدارية مرتبطة بالجهة السياسية التي رشحت شاغلها، رغم توقيفه بالجرم المشهود والأدلة الدامغة، بحيث يصبح استبداله خاضعاً للتوافقات السياسية بدلا من المعايير الإدارية والقانونية، وهو ما يضعف قدرة الحكومة على إجراء إصلاحات حقيقية داخل مؤسسات الدولة”.
وأكد مختصون بالشأن الاقتصادي، ان استمرار هذا الأسلوب في توزيع المناصب يمثل أحد العوامل التي تعرقل الإصلاح المالي والإداري، مشيرين الى ان الوزارة عندما تتحول الى مساحة نفوذ لحزب أو جهة سياسية تصبح القرارات الإدارية والاقتصادية معرضة للتأثر بالمصالح الحزبية.
وأضافوا، ان انعكاسات المحاصصة ظهرت في ملف التعيينات، إذ أدى ذلك الى توسع غير مدروس في أعداد الموظفين والى تضخم الجهاز الحكومي وزيادة الانفاق على الرواتب، في وقت تواجه فيه الخزينة ضغوطاً مالية متزايدة وتحتاج الى توجيه مواردها نحو المشاريع والخدمات والتنمية.
ويرى المختصون، ان معالجة هذه الإشكالات تتطلب الانتقال من نظام توزيع المناصب على أساس المحاصصة الحزبية الى نظام يعتمد الكفاءة والنزاهة والخبرة، مع تفعيل دور الأجهزة الرقابية في مراجعة العقود والمناقصات والمشاريع التي تنفذها الوزارات، والتأكد من سلامة إجراءات الإحالة وكفاءة التنفيذ ومطابقة النتائج للمواصفات والتوقيتات المحددة.
وشددوا على ان مكافحة الفساد لا ينبغي ان تقتصر على ملاحقة المسؤولين بعد وقوع المخالفات، بل يجب ان تبدأ من اصلاح منظومة اختيار القيادات الإدارية، وفصل القرار الإداري عن النفوذ الحزبي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، بما يضمن حماية المال العام ورفع كفاءة الانفاق الحكومي.
من جانبه، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء المحسن في حديث لـ”المراقب العراقي”، ان “استمرار المحاصصة في توزيع المناصب داخل الوزارات يمثل واحدة من أبرز المشكلات التي تؤثر في كفاءة الانفاق العام، لأن إدارة المؤسسات الاقتصادية والخدمية على أساس الولاء السياسي بدلا من الكفاءة والتخصص تؤدي في النهاية الى قرارات أقل كفاءة وتزيد من احتمالات الهدر المالي”.
وأضاف، ان “خطورة المحاصصة لا تكمن فقط في شاغل المنصب، وانما في شبكة القرارات التي تنتج عنها، بدءاً من التعيينات ووصولاً الى العقود والمناقصات والمشاريع، مبيناً، ان الوزارة التي تصبح مرتبطة بجهة سياسية قد تتحول تدريجيا الى مساحة نفوذ تستثمر في إدارة الموارد والمشاريع بما يخدم مصالح ضيقة على حساب المصلحة الاقتصادية العامة”.
وأشار الى ان “هذا النهج ينعكس بشكل مباشر على الموازنة، من خلال تضخم أعداد الموظفين، وزيادة النفقات التشغيلية، وضعف قدرة الدولة على توجيه الأموال نحو الاستثمار والمشاريع المنتجة”، لافتا الى ان “استمرار التعيينات غير المرتبطة بحاجة فعلية لسوق العمل الحكومي، يفرض التزامات مالية طويلة الأمد على الخزينة”.
وبحسب مراقبين، فان استمرار المحاصصة في إدارة الوزارات سيبقي الإصلاحات رهينة للتوافقات السياسية، فيما يتطلب تجاوز الأزمة المالية بناء مؤسسات حكومية مهنية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة ومنع تحول المال العام الى وسيلة لخدمة المصالح السياسية والانتخابية.



