بعد قمة ترامب وشي.. هل تخلت أمريكا عن تايوان؟

بقلم: تمارا برو..
بوفد مدجج بأقطاب التكنولوجيا ورجال الأعمال، حطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رحاله في بيجين، حاملاً معه دفتراً من الحسابات التجارية وملفات الطاقة والطائرات، بالإضافة إلى ملفات إقليمية ضاغطة، على رأسها حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.
ورغم الأجواء الإيجابية ودعوة ترامب الرئيس الصيني إلى زيارة البيت الأبيض، إلا أن ملفات شائكة مثل قضية تايوان وأمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز ظلت تلقي بظلالها على طاولة المفاوضات.
حفاوة الاستقبال وحسابات المصالح
قدمت بيجين لترامب حفاوة استثنائية لإرضاء غروره، بدءاً من لحظة وصوله المطار وحتى مغادرته، إذ تجاوزت كلفة زيارته إلى الصين 30 مليون دولار، ما جعلها واحدة من أغلى الزيارات السياسية تكلفة في العالم. وقد قارن ترامب بين زيارته إلى الصين وزيارة الرئيس السابق باراك أوباما معلقاً بأن أوباما لم يلقَ حفاوة مماثلة.
كان ترامب يأمل في الحصول على تنازلات صينية تتعلق بحرب إيران ومضيق هرمز، وزيادة تصدير المعادن الأرضية النادرة، وإطلاق سراح السجناء، بالإضافة إلى التفاوض حول ملفات تجارية ورسوم كمركية.
تايوان.. ورقة تفاوض أم خط أحمر؟
في الوقت الذي كان العالم يترقب نتائج قمة بيجين بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، كانت تايوان تراقب بقلق شديد موقعها من هذه القمة، خشية أن تتحول إلى ورقة مقايضة بين القطبين، خاصة مع إبداء ترامب تردداً تجاهها منذ ولايته الثانية، ما أثار التكهنات بأنه قد يكون منفتحاً على تخفيف العلاقات مع تايبيه.
شملت ضغوط ترامب على تايوان فرض رسوم كمركية، وأرغمها على زيادة الاستثمار في قطاع أشباه الموصلات الأمريكي، والمطالبة بزيادة ميزانيتها الدفاعية، كما منع ترامب رئيس تايوان، ويليام لاي، من الهبوط على الأراضي الأمريكية العام الماضي أثناء توجهه إلى أمريكا الجنوبية، وأجّل الموافقة على صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار لتايوان لما بعد اجتماعه بالرئيس شي.
لم تكن قمة شي وترامب مجرد بحث عن صفقات، بل مواجهة مباشرة حول الخط الأحمر لبيجين. وعلى الرغم من أن المسؤولين الصينيين دائماً يرددون أمام نظرائهم الأمريكيين أن تايوان خط أحمر، إلا أن الرئيس شي كان صارماً هذه المرة خلال اجتماعه مع ترامب، إذ حذر شي من أن مسألة تايوان هي القضية الأكثر أهمية في العلاقات الصينية – الأمريكية وفي حال عدم التعامل معها بشكل صحيح، فإن هذا قد يؤدي إلى اشتباكات أو حتى إلى اندلاع صراع.
يذكر أن الإدارة الأمريكية كانت قد وافقت في كانون الأول الماضي على صفقة أسلحة قياسية لتايبيه بقيمة 11 مليار دولار وهي أكبر صفقة أسلحة بين أمريكا وتايوان، لكنها لم تُفعل بعد. كما وافق المشرعون في كانون الثاني الماضي على صفقة أسلحة جديدة بقيمة 14 مليار دولار، ترامب لم يحلها رسمياً إلى الكونغرس حتى الآن.
عبّر ترامب صراحة في مقابلة مع شبكة“Fox News” عن اعتباره ملف مبيعات الأسلحة لتايوان ورقة تفاوضية قوية. ورغم أن ترامب لم يحدد ما يريده من الصين مقابل حرمان تايوان من الأسلحة، إلا أنه يضغط على بيجين لشراء المزيد من السلع الأمريكية والطاقة وتصدير المعادن النادرة واستخدام نفوذها ضد إيران لفتح مضيق هرمز.
يمكن أن تواجه رغبة ترامب في التفاوض على تايوان معارضة داخلية شديدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقد تلعب جماعات الضغط التايوانية دوراً كبيراً للدفع بقبول صفقات الأسلحة. ومن جهة أخرى، تعليق أو إلغاء صفقات الأسلحة قد يؤثر على التعاون التكنولوجي بين واشنطن وتايبيه وحتى على التعاون الاقتصادي، فتايوان هي خامس أكبر شريك تجاري لأمريكا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2025 نحو 256 مليار دولار.
ووقع الجانبان، اتفاقاً تجارياً خفضت بموجبه الولايات المتحدة الرسوم الكمركية على تايوان إلى 15% مقابل أن تقوم الأخيرة بضخ ما لا يقل عن 250 مليار دولار في استثمارات مباشرة لتوسيع عمليات أشباه الموصلات المتقدمة والطاقة والذكاء الاصطناعي في أمريكا، إضافة إلى ذلك، وافقت تايوان على تقديم ضمانات ائتمانية بقيمة 250 مليار دولار لدعم المزيد من الاستثمارات في سلسلة توريد أشباه الموصلات الأمريكية.
أما الصين، فعلى الرغم من أن رئيسها يرى أن قضية تايوان يجب أن لا تورث من جيل إلى جيل ما يجعل حلها جزءاً رئيساً من إرثه، وإدراكها أن ترامب يحب عقد الصفقات، إلا أنها تخشى من أن يغير كلامه بين لحظة وأخرى، فالثقة به مفقودة، كما أن بيجين ترفض المقايضة أو التفاوض على ملف تايوان، غير أن لديها أوراق ضغط أخرى يمكن أن تستخدمها في حال إقرار صفقات الأسلحة لتايوان بدلاً من التنازل لواشنطن، فمثلاً لدى بيجين ملف المعادن النادرة أو التوقف عن استيراد فول الصويا الأمريكي.
ولو سلّمنا جدلاً بقبول الصين التفاوض على صفقات الأسلحة لتايوان، فالصين لا تضمن رجوع ترامب عن موقفه، كما ترى أن الرئيس الأمريكي القادم يمكن أن يوافق على صفقات الأسلحة لتايبيه. تعول الصين على الانتخابات الرئاسية في تايوان التي ستجري عام 2028، وتدعم فوز حزب الكومينتانغ ما قد يؤدي إلى استقرار العلاقات بين بيجين وتايبيه.
في المحصلة، تتجاوز قمة شي وترامب حدود اللقاء السياسي التقليدي لتصبح نقطة ارتكاز في تحديد شكل العلاقة بين أكبر قوتين في العالم داخل أكثر الملفات حساسية، فبين مقاربة أمريكية ترى في الجزيرة ورقة تفاوض ورؤية صينية تعدها جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي ووحدتها التأريخية، فإن قبول التفاوض أو عدمه سيحدد شكل العلاقات الصينية – الأمريكية للمرحلة المقبلة من عهد ترامب.



