اراء

الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف عون التفاوضية

بقلم/ د. هاني الروسان..

عندما أطلقت طهران في السابع من حزيران الحالي، عدداً من صواريخها باتجاه شمال فلسطين المحتلة رداً على قصف الطائرات الحربية الاسرائيلية للضاحية الجنوبية لبيروت الذي أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، فان نيتها أغلب الظن لم تكن تتجه نحو إحداث تحول عسكري في المواجهة الميدانية بين حزب الله وإسرائيل أو تسجيل خسائر استراتيجية في الجانب الاسرائيلي، بقدر ما كانت تتجه الى الدلالات السياسية والأهداف بعيدة المدى التي تسعى الى تحقيقها من وراء ذلك. فهذه الضربة، على محدودية أثرها العسكري، جاءت لتعيد خلط الأوراق التي دخل بها الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى مسار المفاوضات مع إسرائيل، ولتطرح من جديد أسئلة جوهرية حول الافتراضات التي استندت إليها مقاربته السياسية منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة ثانية.

فالرجل الذي رفع شعار استعادة سيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كامل أراضيها، بدا وكأنه يقرأ المشهد الإقليمي من زاوية أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران تسير في اتجاه واضح ومحدد، وأن نتائجها الاستراتيجية بدأت تتبلور بالفعل، وانه على أساس هذا التقدير اندفع نحو مقاربة تفاوضية تفترض أن موازين القوى التي حكمت لبنان خلال السنوات الماضية لم تعد قائمة أو انها لم تعد كما كانت، وأن المجال أصبح مفتوحاً أمام الدولة اللبنانية لتتقدم إلى الواجهة بوصفها الطرف الوحيد القادر على التفاوض بشأن مستقبل الجنوب اللبناني وترتيباته الأمنية.

غير أن الرد الإيراني الأخير جاء ليطرح واقعاً أكثر تعقيداً، فبعيداً عن حجم الخسائر التي أحدثها في اسرائيل أو طبيعة أهدافه العسكرية التي تناولها بالقصف، فان هذا الرد حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن إيران لا تزال حاضرة في معادلات المنطقة، وأن الحديث عن تراجع دورها أو انكفائها النهائي مازال سابقاً لأوانه. والأهم من ذلك أنه أظهر أن الساحة اللبنانية مازالت مرتبطة بصورة مباشرة بالتوازنات الإقليمية القائمة بين طهران وتل أبيب وواشنطن، وأن أية محاولة لفصل المسارين عن بعضهما البعض تبدو أقرب إلى الرغبة السياسية منها إلى الواقع الفعلي.

ولعل ما يزيد من أهمية الضربة الإيرانية أنها جاءت في لحظة كانت فيها بيروت تحاول تقديم نفسها بوصفها شريكاً مباشراً في ترتيبات ما بعد الحرب. فمنذ أشهر يدور الحديث عن تفاهمات أمنية جديدة، وعن ترتيبات تتعلق بالحدود الجنوبية، وعن دور متزايد للدولة اللبنانية في إدارة الملف الأمني، ولكن الرد الإيراني أعاد التذكير بأن هذه الملفات لا تزال مرتبطة أيضاً بمسارات إقليمية أكبر من لبنان نفسه، وأن قدرة أي طرف لبناني على المضي بعيداً في هذا الاتجاه تبقى رهناً بما ستؤول إليه المواجهة الأوسع في المنطقة.

والأرجح أن الرهان الأساسي الذي استندت إليه حسابات عون كان يقوم على أن الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة على إيران ستدفعها إلى الانكفاء التدريجي عن بعض ساحات نفوذها الإقليمية، أو على الأقل إلى خفض مستوى انخراطها فيها، ولكن ما كشفته التطورات الأخيرة هو أن هذا الاستنتاج كان متسرعاً. فإيران التي تتعرض لضربات عسكرية مباشرة لم تُظهر استعداداً للتخلي عن أوراقها الإقليمية بعد، بل سعت إلى توظيفها بصورة أكبر لتعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

لذلك فان الجزم بان جوزيف عون قد تعامل مع مشهد إقليمي لا يزال في طور التشكل كما لو أنه مشهد مكتمل المعالم، قول قد لا يجافي الحقيقة. فالرجل قرأ موازين القوى المقبلة أو المتخيلة باعتبارها موازين قائمة بالفعل، وتحرك على أساس أن مرحلة جديدة قد بدأت، بينما كانت المرحلة السابقة لا تزال تقاوم نهايتها. وهنا فقد جاء الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية ليكشف هذه الفجوة بين التقدير والواقع، وبين ما أعتقده الرجل ممكناً وما أثبتته الأحداث لاحقاً.

ولهذا فإن أهمية الرد الإيراني لا تكمن في تأثيره العسكري المباشر، بل في كونه أعاد التذكير بأن نتائج الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران لم تُحسم بعد، وأن التوازنات التي ستنتج عنها لا تزال قيد التشكل، وان الخطأ الذي وقع فيه الرئيس عون ليس في أنه اختار التفاوض، بل أنه تفاوض انطلاقاً من فرضية أن الحرب حسمت اتجاهها النهائي قبل أن تفعل ذلك فعلاً، لقد أراد أن يبني سياسة على نتائج لم تولد بعد، وأن يستثمر في واقع لم يتكرس بعد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى