اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الموازنة المقبلة أمام تحديات كبيرة مثقلة بأعباء والتزامات مالية

الاعتماد على النفط يهدم مستقبل العراق الاقتصادي


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
يواجه العراق واحدة من أكثر مراحله الاقتصادية تعقيداً منذ سنوات، في ظل أزمة مالية خانقة فرضتها التطورات الإقليمية وتداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على الإيرادات النفطية التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، ومع استمرار التحديات المالية وتراجع الموارد المتاحة، باتت الحكومة تواجه معركة يومية لتأمين النفقات التشغيلية الأساسية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الرعاية الاجتماعية التي يعتمد عليها ملايين العراقيين.
وتشير التقديرات إلى أن الدولة تحتاج شهرياً ما بين 6 إلى 8 تريليونات دينار عراقي لتغطية رواتب الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية، أي ما يعادل نحو 5 إلى 6 مليارات دولار أمريكي، ويستفيد من هذه المبالغ أكثر من 13 مليون مواطن يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على خزينة الدولة، الأمر الذي يجعل ملف الرواتب أولوية مطلقة أمام صانع القرار العراقي.

وفي ظل التراجع الحاد بالإيرادات، تحولت إدارة الملف المالي إلى مهمة شاقة تركزت بالدرجة الأولى على تأمين السيولة اللازمة للإنفاق الضروري، بينما تراجعت الأولويات الأخرى المتعلقة بالمشاريع التنموية والاستثمارية.
ويرى مراقبون، أن الحكومة أصبحت تدير المشهد المالي بعقلية “المحاسب” الذي يبحث عن مصادر التمويل لتغطية الالتزامات الآنية، بدلاً من التخطيط لمشاريع استراتيجية طويلة الأمد قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.
وبالتزامن مع هذه التحديات، كشفت مصادر حكومية عن توجه رسمي نحو إعداد مشروع الموازنة العامة لعام 2027، في ظل صعوبات فنية ومالية تجعل من إعداد وإقرار موازنة عام 2026 أمراً بالغ التعقيد، خاصة بعد انقضاء أكثر من نصف السنة المالية الحالية، مؤكدة أن الوقت المتبقي من العام لم يعد كافياً لإعداد موازنة جديدة وإقرارها وفق السياقات القانونية والإدارية المطلوبة، ما دفع الجهات المعنية إلى التركيز على وضع الأسس والتقديرات الخاصة بموازنة العام المقبل.
وفي ظل هذه التحديات، يبدو أن الموازنة المقبلة ستكون مثقلة بأعباء والتزامات مالية كبيرة، تبدأ من تأمين الرواتب ولا تنتهي عند تمويل الخدمات الأساسية والمشاريع الحيوية، فالحكومة ستكون مطالبة بتوفير التخصيصات اللازمة للتعيينات الجديدة، وتأمين احتياجات الوزارات والمؤسسات، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، ودفع مستحقات الفلاحين، فضلاً عن تسديد الديون الداخلية والخارجية التي قد تضطر الدولة إلى اللجوء إليها لتجاوز الأزمة الحالية.
وفي السياق نفسه، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي دريد العنزي، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الأزمة الحالية لا ترتبط بنقص الموارد فقط بقدر ما تعكس خللاً في الخيارات والسياسات الاقتصادية المتبعة على مدى السنوات الماضية، مبيناً، أن الحكومات المتعاقبة أخفقت في تنفيذ موازنات تنموية قادرة على إحداث تحول حقيقي في بنية الاقتصاد العراقي.
وأوضح العنزي، أن “العراق بحاجة إلى تبني موازنة مشاريع ترتكز على أولويات تنموية واضحة في كل محافظة، بحيث يتم اختيار عدد محدد من المشاريع الاستراتيجية القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل وتحفيز النشاط الإنتاجي، بدلاً من تشتيت التخصيصات المالية على آلاف المشاريع الصغيرة والمتعثرة”.
وأضاف، أن “تمويل المشاريع التنموية يمكن أن يتم عبر آليات مدروسة، من بينها الاقتراض الداخلي الموجه نحو الاستثمار والإنتاج، مشيراً إلى أن توجيه الأموال نحو مشاريع حقيقية ذات مردود اقتصادي سيضع البلاد على طريق التنمية المستدامة خلال سنوات قليلة، بدلاً من استمرار الإنفاق الاستهلاكي الذي يستنزف الموارد دون تحقيق نتائج ملموسة”.

ولفت إلى أن “المشكلة الأساسية التي تواجه العراق ليست نقص الإمكانات، وإنما ضعف الإدارة الاقتصادية واستمرار معوقات مزمنة في مقدمتها الفساد الإداري والمالي، والترهل الوظيفي، والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، مؤكداً، أن البلاد بحاجة إلى قرارات اقتصادية جريئة وإصلاحات هيكلية شاملة تعيد توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج”.
وشدد العنزي على أن “بناء اقتصاد قوي ومستدام لن يتحقق ما لم تتم معالجة هذه التحديات بصورة جادة، واعتماد رؤية تنموية طويلة الأمد تستند إلى النزاهة والكفاءة وتوظيف الموارد المتاحة في مشاريع استراتيجية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني”.
ويقف العراق اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي حاسم، فإما أن تتحول الأزمة الحالية إلى نقطة انطلاق نحو إصلاحات مالية واقتصادية عميقة تعزز الإنتاج وتنوع مصادر الدخل، أو أن تستمر الحلقة المفرغة للاعتماد على النفط وما يرافقها من أزمات متكررة تهدد الاستقرار المالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى