مونديال الترانزيت

سمير السعد..
عالم كرة القدم، يُفترض أن تُحسم نتائجه داخل المستطيل الأخضر، وأن تكون المنافسة بين الأقدام لا بين جوازات السفر، وبين الخطط الفنية لا بين القرارات السياسية، لكن يبدو أن بعض البطولات الكبرى باتت تحتاج إلى تأشيرة لعب أكثر مما تحتاج إلى مهارة تسجيل الأهداف.
ومع اقتراب النسخة المقبلة من كأس العالم، تتصاعد الأحاديث حول ظروف مشاركة المنتخب الإيراني، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام. فبحسب المعلومات المتداولة، فإن عددًا من أعضاء الوفد الإيراني من الكوادر الإدارية والفنية والطبية لم يحصلوا على تأشيرات الدخول، ما يعني غياب عناصر مهمة عن بعثة منتخب يستعد للمشاركة في أهم حدث كروي على وجه الأرض.
ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، بل تتحدث التقارير عن قيود تتعلق بفترة إقامة الوفد داخل الولايات المتحدة، بحيث تقتصر على حضور المباراة ثم المغادرة بعد وقت قصير، الأمر الذي دفع البعثة إلى ترتيب إقامتها في مدينة تيخوانا المكسيكية والتنقل منها إلى الولايات المتحدة ذهابًا وإيابًا أيام المباريات.
إن صحّت هذه المعلومات، فنحن أمام سابقة تثير الجدل أكثر مما تثير الدهشة. فكيف يمكن لمنتخب مشارك في بطولة عالمية، أن يعيش أجواء الاستقرار والتركيز وهو يتعامل مع ترتيبات استثنائية لا تواجهها منتخبات أخرى؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص إذا كانت بعض الوفود مطالبة بخوض مبارياتها وسط ظروف لوجستية معقدة تختلف عن بقية المنافسين؟.
الرياضة، كما نعرفها، كانت دائمًا جسرًا بين الشعوب، وميداناً لتبادل الاحترام والتقارب الإنساني. أما عندما تتحوّل الملاعب إلى امتداد للخلافات السياسية، فإن الخاسر الأول ليس منتخبًا بعينه، بل الفكرة التي قامت عليها الرياضة العالمية منذ عقود.
وليس هذا الجدل جديدًا على الساحة الرياضية. فقد شهد العالم في السنوات الماضية قرارات وعقوبات وإقصاءات طالت اتحادات ومنتخبات لأسباب مرتبطة بأحداث سياسية، وسط تفاوت واضح في ردود الأفعال والمواقف الدولية. وهو ما أعاد إلى الواجهة اتهامات قديمة بازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، وهي اتهامات تزداد حضورًا كلما بدا أن القوانين تُطبَّق بصرامة على طرف، بينما تُفسَّر بمرونة مع طرف آخر.
وهنا تتجه الأنظار نحو الاتحاد الدولي لكرة القدم. فأين دوره في حماية مبدأ حياد الرياضة؟ وأين الضمانات التي تكفل لجميع المنتخبات المشاركة ظروفاً متساوية تحفظ كرامتها الرياضية وتمنحها فرصة الإعداد والمنافسة بعيدًا عن الضغوط غير المرتبطة بكرة القدم؟.
إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يُبدّد الشكوك، بل يزيدها. والجماهير لا تبحث عن بيانات إنشائية بقدر ما تبحث عن مواقف واضحة تكرّس العدالة وتحمي استقلالية الرياضة عن التجاذبات السياسية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل مازالت كرة القدم مساحة تجمع الشعوب تحت راية المنافسة الشريفة، أم أنها باتت ساحة أخرى لتصفية الحسابات السياسية بأدوات مختلفة؟.
سؤال يستحق إجابة، ليس من منتخب واحد، بل من كُلّ المؤسّسات التي ترفع شعار “الرياضة للجميع”.



