الحقيقة أول ضحايا الحروب

بقلم: الدكتورة رحمة حمدي شير
يقال إن الكاتب المسرحي اليوناني إسخيلوس، هو من قال إن الحقيقة هي أول ضحايا الحروب، وهذا صحيح فلا توجد رواية صحيحة لأي حرب خاضتها البشرية منذ أن وجدت على هذه الأرض وحتى اليوم، ففي كل حرب يشهدها العالم، لا تكون الخسائر مقتصرة على القتلى والدمار والخراب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى خسارة أكثر خطورة وتعقيدًا، وهي خسارة الحقيقة نفسها. فالحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُخاض أيضًا بالكلمات والصور والروايات المتناقضة، لأن كل طرف يسعى إلى فرض روايته الخاصة وإقناع العالم بها، حتى لو كان ذلك عبر التضليل أو التلاعب بالمعلومات.
في الماضي، كانت الحكومات تعتمد على الصحف والإذاعات والخطابات السياسية لنقل روايتها إلى الشعوب، لكن التطور التكنولوجي غيّر شكل المعركة الإعلامية بالكامل. اليوم، أصبحت الأخبار تنتشر خلال ثوانٍ عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتحول العالم إلى شاشة مفتوحة تنقل الأحداث لحظة بلحظة. هذه السرعة الهائلة جعلت من الصعب أحيانًا التحقق من المعلومات، وفتحت المجال أمام انتشار الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل بشكل غير مسبوق.
الأخبار الكاذبة في الحروب ليست مجرد أخطاء صحفية أو معلومات غير دقيقة بل قد تتحول إلى سلاح استراتيجي تستخدمه الدول والجماعات المسلحة والجيوش الإلكترونية. فالحرب الحديثة لم تعد فقط معركة على الأرض، بل أصبحت أيضًا معركة على العقول والإدراك العام. وكل طرف يحاول السيطرة على الرواية الإعلامية، لأنه يدرك أن كسب الرأي العام قد يكون أحيانًا أهم من كسب المعركة العسكرية نفسها.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في تعقيد المشهد الإعلامي أثناء الحروب. فهذه المنصات منحت الجميع القدرة على النشر والتأثير، لكنها في المقابل أضعفت معايير التحقق والمهنية. اليوم يمكن لأي شخص يحمل هاتفًا ذكيًا أن ينشر خبرًا أو صورة تصل إلى ملايين الناس خلال دقائق، حتى لو كانت غير صحيحة. ومع وجود الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية، أصبح من السهل صناعة حملات منظمة للتضليل أو توجيه الرأي العام نحو مواقف معينة.
ولا يقتصر تأثير الأخبار الكاذبة على تضليل الجمهور فقط، بل يمتد إلى التأثير على القرارات السياسية والعسكرية. ففي بعض الأحيان قد تؤدي معلومة غير دقيقة إلى تصعيد التوتر بين الدول أو إثارة الذعر بين المدنيين. وقد تدفع الشائعات الناس إلى النزوح الجماعي أو فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية، كما يمكن أن تستخدم الأخبار المضللة لإضعاف معنويات الجنود أو بث الانقسام داخل المجتمعات.
الإعلام التقليدي أيضًا ليس بعيدًا عن هذه الأزمة، فمع المنافسة الشديدة على السبق الصحفي والمشاهدات، تقع بعض القنوات والمواقع الإخبارية في فخ التسرع بنقل الأخبار دون التحقق الكامل منها، خاصة في الساعات الأولى من الحروب حيث تكون المعلومات متضاربة ومربكة. وفي كثير من الأحيان، تعتمد بعض وسائل الإعلام على مصادر مجهولة أو بيانات رسمية منحازة، ما يؤدي إلى نقل روايات قد يتبين لاحقًا عدم صحتها.
كما ظهر نوع جديد من الحروب يعرف بـ”الحرب النفسية الرقمية”، حيث تستخدم المعلومات والشائعات لإرباك الخصم وإضعافه معنويًا. وقد تلجأ بعض الجهات إلى تضخيم خسائر العدو أو نشر أخبار عن انهيارات داخلية أو خلافات سياسية بهدف التأثير على معنويات الجنود والمدنيين. وفي المقابل، تحاول كل جهة إخفاء خسائرها الحقيقية أو التقليل منها للحفاظ على صورتها أمام جمهورها.
ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، دخل العالم مرحلة أكثر خطورة في مجال التضليل الإعلامي. فقد أصبحت تقنيات “التزييف العميق” قادرة على إنتاج فيديوهات وصور وتسجيلات صوتية تبدو حقيقية بشكل كبير، رغم أنها مزيفة بالكامل. وهذا يعني أن المستقبل قد يشهد صعوبة أكبر في التمييز بين الحقيقة والخداع، خاصة أثناء الحروب حيث تكون المعلومات سلاحًا أساسيًا في الصراع.
واليوم معركة الإعلام لا تقل أهمية عن ميدان القتال، مثلا في حرب العراق عام 2003 سقط نظام صدام البائد إعلامياً قبل أن يسقط ميدانيا، واليوم في الحرب الروسية – الأوكرانية، كثيرة هي المعارك القوية والحساسة التي يخوضها الروس لكن ليست لها قيمة بسبب عدم الترويج لها إعلاميا، بالمقابل قيام كييف بإسقاط مسيرة روسية قد يكون حدثا إعلاميا يضاهي بأهميته تلك المعركة الروسية.
وفي الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حاولت واشنطن كثيرا اللعب على وتر الإعلام بهدف كسر طهران والترويج إلى إنجازات ليست بواقعية بهدف التسويق لسرديتها في صورة النصر التي يرسمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالمقابل هدوء طهران السياسي انعكس على الإعلام ومشاهد ملايين الإيرانيين في الشوارع يوميا منذ بداية الحرب وحتى الآن دحضت الرواية الأمريكية ووجهت لها ضربة في مقتل.
الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات، بل أصبحت تعتمد أيضًا السيطرة على الرواية الإعلامية. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الشاشات والهواتف وعقول الناس. ولهذا أصبحت الحقيقة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأصبح الوعي الإعلامي ضرورة أساسية لحماية المجتمعات من التضليل والفوضى. وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، قد يكون الانتصار الحقيقي ليس لمن يربح الحرب عسكريًا فقط، بل لمن ينجح في إقناع العالم بروايته.



