اراء

إيران في عيون العرب.. من خطر داهم إلى نموذج مُلهِم؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
لا يمكن إنكار حقيقة نجاح أعداء الجمهورية الإسلامية في إيران، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها، في تشكيل رأي عامّ معادٍ لها بعيد تمكّن الثورة الإسلامية من إسقاط نظام الشاه قبل سبعة وأربعين عاماً تقريباً، ولا يمكن إغفال حجم التأثير الكبير الذي تركه هذا النجاح على صورة الجمهورية الإيرانية بين معظم شعوب المنطقة العربية على وجه الخصوص، والذين نظروا للنظام الإسلامي في إيران ولمجمل المشروع الإيراني في المنطقة بأنه خطر داهم يهدّد استقرار بلدانهم، بل ويشكّل تهديداً حاسماً لمعتقداتهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية، وصولاً إلى حدودهم الجغرافية.
بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران انبرت دول وجماعات، وأنظمة وحكومات، لمهاجمة الثورة والنظام الإيرانيين، مستخدمةً مروحة واسعة من الأدوات كانت في مقدّمتها وسائل الإعلام بأشكالها وألوانها كافة، ولا سيّما أنّ هذه الجهات كانت وما زالت تمتلك إمبراطوريات إعلامية يُعتبر بعضها من الأكبر والأكثر تأثيراً على مستوى العالم، على صعيدٍ موازٍ تمّ اللعب على وتر الدين بما له من تأثير طاغٍ على الأمم والمجتمعات، حيث أنشِئت حركات وتنظيمات، وبُنيت معاهد وجامعات، وأُسِست قنوات وفضائيات، وأقيمت آلاف الندوات والمؤتمرات، ومُنحت ملايين الدولارات من أجل مواجهة ما سُمّي بـ”المدّ الشيعي” حيناً، ومنع “تصدير الثورة” حيناً آخر، حيث وجدت الأفكار الداعية إلى التصدّي والدفاع في وجه “التهديد” الإيراني رواجاً كبيراً بين الجماهير العربية خصوصاً في دول بعينها مثل دول الخليج ومصر.
الأفكار “التكفيرية” في مواجهة “الصعود” الإيراني لم تقتصر على جماعات دينية حديثة النشأة فحسب، بل أصابت عدواها جماعات دينية كبيرة وواسعة الانتشار، إذ ساهمت بعض مواقفها وفتاوى شيوخها في حملة من المطاردة والملاحقة لكلّ من آمن أو بشّر بمشروع إيران الإسلامي التحرّري والمقاوم، ولكلّ من نظّر لهذا المشروع حتى لو بشطر كلمة أو موقف.
الحملات المعادية لإيران، والمشيطنة لها ازدادت كمّاً ونوعاً بعد المشاركة الإيرانية الفاعلة في التصدّي لمخطّطات الجماعات “التكفيرية” المدعومة من قوى الشرّ العالمية، وإسقاط معظم مشاريعها الطائفية في العراق وسوريا على وجه التحديد، مع أنّ المشاركة الإيرانية في سوريا تمّت بناءً على طلب رسمي من نظامها السابق، والذي شُنّت عليه حرب كونية شاركت فيها الكثير من الدول، كان في المقدّمة منها أميركا و”إسرائيل”، والتي اعترف رئيس وزرائها الهارب من وجه العدالة الدولية بمساهمة “دولته” في إسقاط النظام في سوريا، والذي بحسب قوله كان يمثّل ضلعاً أساسياً من أضلاع محور المقاومة في المنطقة.
وعلى الرغم من ارتفاع بعض الأصوات التي حذّرت من خطورة تصنيف إيران كعدو رئيسي لشعوب ودول المنطقة بدلاً من الكيان الصهيوني الذي يحتلّ الأرض في فلسطين ولبنان وسوريا، إلّا أنّ المزاج العامّ للشعوب بقي كما هو من دون تغيير يُذكر، حتى بعد ارتفاع وتيرة الأصوات التي تنادي بضرورة حدوث تغيير في هذا المزاج، وتدارك أخطاء وهفوات ساهمت في إحداث شقوق عميقة في جسد شعوب المنطقة، والتي واجهت في تلك الفترة الحرجة خطر اندلاع حرب طائفية لا تُبقي ولا تذر.
بعد انطلاق معركة “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول من العام 2023، والتي حظيت بمتابعة واهتمام معظم سكان العالم، وشهدت ارتكاب العدو الصهيوني لجرائم إبادة جماعية بحقّ المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، بدأت وتيرة الهجمات الإعلامية والتحريضية التي تستهدف إيران وحضورها تتراجع نوعاً ما، ولا سيّما أنّ الدور الإيراني إلى جانب أطراف محور المقاومة الأخرى في الإقليم كان هو الوحيد الذي ظهر بشكل حاسم وواضح لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني، ولتخفيف الضغط العسكري الهائل الذي تعرّض له قطاع غزة، والذي واجه حرباً ضروساً من تحالف واسع من قوي الشرّ والإجرام كان في المقدّمة منها كما العادة الولايات المتحدة الأميركية ،والتي جيّرت رفقة حلفائها معظم إمكانياتها العسكرية والاستخبارية والاقتصادية والتكنولوجية لدعم العدو الصهيوني في حربه الإجرامية ضدّ سكّان القطاع الصغير والمنكوب.
بعد الموقف الإيراني اللافت والمميّز في دعم المقاومة والشعب في قطاع غزة، والذي أدّى في بعض تداعياته إلى اندلاع ثلاث جولات من القتال المباشر بين الجمهورية الإسلامية في إيران، وبين العدو الصهيوني ومعه حلف الشرّ العالمي، ظهرت بما لا يدع مجالاً للشكّ حقيقة هذا الموقف من قضايا الأمة المحقّة والمشروعة، وتجلّى للجميع ولا سيّما من المضلّلين والمخدوعين أنّ هذا الموقف هو نتاج عقيدة راسخة، ومبادئ ثابتة، وغير مرتبط من قريب أو بعيد بمصالح مادية، أو أطماع مذهبية كما كان يدّعي البعض.
هذه القناعات حول حقيقة الموقف الإيراني من قضايا الأمة والتي بدأت تترسّخ لدى شرائح واسعة في عموم المنطقة العربية، وتجد لها أنصاراً أكثر من أيّ وقت مضى، انتقلت خلال الشهرين الأخيرين نقلة نوعية إلى الأمام، خصوصاً بعدما شنّ الجانبان الإسرائيلي والأميركي عدوانهما الغادر والهمجي على إيران، والذي تبيّن للجميع في المنطقة والعالم أنه يفتقد لأيّ مشروعيّة، وأنه نتاج رغبة من الطرفين المارقين في السيطرة على خيرات الشعوب، وردع كلّ من يقف في وجه مشروعهما التوسّعي والإجرامي.
في مقابل ذلك ظهر الموقف الإيراني في أبهى صوره، مفنّداً كلّ أكاذيب القتلة والمجرمين، ومدلّلاً على أخلاقية هذه الجمهورية العظيمة والمقتدرة، والتي تمكّنت رغم ما تلقّته من ضربات، وما بذلته من تضحيات من إثبات مكانتها كدولة كبيرة ووازنة، وأنها جديرة بالثقة والاحترام.
في الفترة التي تلت اندلاع الحرب العدوانية على إيران تغيّر المزاج الشعبي في الدول العربية والإسلامية بنسبة كبيرة وغير مسبوقة، وتبدّلت مشاعر الكراهية والغضب والاستنكار، بأخرى من الإعجاب والفخر والإشادة، بل وصل الأمر رغم الحملات المضادة التي حاولت أن توقف هذا السيل الجارف من المشاعر الجيّاشة والصادقة إلى درجة الدعوة للسير على الخطى الإيرانية على الصعد كافة، وفي مختلف المجالات، خصوصاً بعد ما شاهده الجميع من قدرات إيرانية قلّ نظيرها رغم ما عانته من حصار وأزمات.
يمكن مشاهدة تغيّر المزاج العربي في مواقف ملايين المتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي واسعة الانتشار، والتي تحوّلت إلى كرنفال شبه يومي يشيد بالجمهورية الإسلامية واقتدارها ومنعتها، إلى جانب المتابعة منقطعة النظير لكل ما يصدر عن إيران من مواقف في مختلف المجالات.
حتى الإعلاميون الإيرانيون، والمحللون والكتّاب الذين يظهرون على قنوات كبيرة وواسعة الانتشار باتوا يحظون بنسب مشاهدة ومتابعة قياسية، بل وأصبحوا دون غيرهم يُشار إليهم بالبنان، لما يملكونه من رباطة جأش، وهدوء أعصاب، وإمكانيات قلّ نظيرها في التحليل والتوصيف البعيد عن التهويل والمبالغات، والقريب إلى قلوب الجماهير.
غير بعيد عن ذلك فقد حازت مواقف المسؤولين الإيرانيين بما تحمله من لغة هادئة ورصينة على إعجاب الملايين حول العالم، وهم في ذلك نجحوا في تعرية موقف تحالف العدوان، وإظهاره على صورته الحقيقية التي بات الجميع مقتنعاً بها، حتى تلك الدول التي كانت تُعتبر حليفاً تاريخياً لأميركا و”إسرائيل” مثل فرنسا وبريطانيا وغيرهما.
يمكن لنا الاعتقاد بأنّ الجمهورية الإسلامية في إيران قد استطاعت بحسن تدبيرها، وفطنة مسؤوليها، وثبات وصمود شعبها وقواتها المسلحة تحقيق إنجازات غير مسبوقة خلال الشهرين الماضيين، ومن أهمّها إلى جانب التصدّي للعدوان، وإسقاط مخطّطاته الشيطانية إعادة الأمور إلى نصابها فيما يتعلّق بتعريف هوّية العدو الحقيقي للأمة العربية والإسلامية، وهو العدو الذي ومنذ إنشاء “دولته” في منتصف القرن الماضي لم يتوقّف لحظة واحدة عن ارتكاب الجرائم بحقّ دول وشعوب المنطقة، وهو يعلن من دون خجل أو وجل رغبته في الاستمرار في ارتكاب هذه الجرائم رغم أنف الجميع، وأنّ سعيه لتغيير وجه المنطقة لتصبح طوع أمره مستمر إلى ما لا نهاية.
نحن نعتقد أنّ النجاح الإيراني في تغيير المزاج العامّ للشعوب العربية والإسلامية، وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح ربما يوازي الإنجازات الأخرى في باقي المجالات، وهي بذلك تؤسّس لمرحلة جديدة من التعاون مع شعوب ودول المنطقة، بعيداً عن التدخّلات الأميركية الوقحة والسافرة، والتي يبدو أنها ستفقد خلال المرحلة المقبلة جزءاً كبيراً من نفوذها في المنطقة والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى