اراء

مفاوضات أم حوار طرشان

د. إدريس هاني..

هناك سوء تقدير للموقف ونحن على عتبة المفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران عبر الوسيط الباكستاني، فبينما يبدو ترامب على عجلة من أمره، يقف الطرف الإيراني في المقابل وهو يعانق الزمن والتأريخ كله، فالعجلة من الشيطان، والحرب سجال، واليوم فارس تحفر خندقا في البحر وخندقا في البر. فالحرب هناك من وجهة نظر أمريكية تتحدد بعمر حكومة وحملة انتخابية، لكنها في طهران تتحدد بمدى تأريخي لأمة على طريق تحقيق استقلالها. ثمة خلاف حقيقي حول أهداف وجوهر الحرب، وما لم ندرك هذه الحقيقة سيكون بالفعل حوار طرشان.

لكن، ما يعني المراقب والمتابع لهذا الجدل حول تعثر المفاوضات، سيلاحظ أن واشنطن تتصرف كغالب أمام منهزم حيث تنتظر واشنطن من خصمها هدفا واحدا: الاستسلام. لكن سوء الفهم الكبير يكمُنُ هنا، فطهران تتصرف كمنتصر في حرب غير متكافئة، انتصارا يجب قراءته في ضوء النسبية العامة لا الميكانيكا الصلبة. عدم الاستسلام هو في منطق الصمود، انتصار. وهنا تكمن الحيرة الاستراتيجية للقوة التي لا زالت تفرض شروطها على العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.

لم يكن مضيق هرمز في الحسبان، لكنه اليوم بيضة القبان في معادلة يصعب الخروج منها قبل تحديد مجاهيلها. هذا يعني أن الطرف الإيراني يحسب كل التفاصيل، ويربك حسابات من ظن أن الحرب هاهنا مجرد نزهة.

بالنسبة إلى لبنان، وهي عقدة الاحتلال في هذه المفاوضات، لا يمكن موضوعيا تحقيق اتفاق بين واشنطن وطهران، دون إنهاء الحرب على الجنوب. وحتى لو لم يتم إدراج هذا البند في الاتفاق، فإن استفراد الاحتلال بلبنان لن يتم، حيث ستواصل طهران مساندتها لمحور المقاومة، وهو ما ينذر بتجدد الحرب، فما لم يتوقف العدوان على لبنان لن يكون هناك اتفاق. هذه قضية بديهية يسعى نتنياهو الهارب إلى الأمام أن يجعلها قضية نظرية. بالنسبة إلى طهران، وحيث نحتاج اليوم إلى فينومينولوجيا جيوستراتيجية تفرض واجب الإنصات إلى سردية الأمم الرافضة للهيمنة الإمبريالية، فإن حجم الضرر وقافلة الشهداء من رأس هرم القيادة إلى عموم المدنيين، لا يمكن أن يمر دون كلفة، أمر لا يخضع لمنطق الصفقات. بين التفاوض وفرض الاستسلام مساحة يحددها بالفعل صِدام الحضارتين، أما ما يجهله ترامب، وهو أن هنتنغتون نفسه يعتبر الانتصار في الحروب الحضارية مستحيلا، ولا مخرج من ذلك سوى بالانسحاب. هنتنغتون مقاربة جيو- حضارية تتجاوز المقاربة الجيوستراتيجية التقليدية؛ الحل هو الانسحاب قدر ما أمكن إلى الحدود السياسية للغرب التقليدي.

من ناحية أخرى يواصل الاحتلال عدوانه على المدنيين بلبنان، جريمة حرب “فائضة” الأركان. وهو في وضعية يأس عارم في انتظار المجهول. فلا شعب المقاومة منحه الفوز ولا الحكومة تنفعها سياسة الالتفاف على مكتسبات الصمود. ففي اللحظات التأريخية الحرجة للأمم يكون الكفاح الوطني هو الرصيد الأخير للدولة. لقد كان لبنان وسيبقى كبيرا بإرادته التحررية وكفاحه الوطني.

وفي هذا السياق، هناك من ينتظر مخرجات كيدية، أي تحقيق حلم انتصار الاحتلال مسنودا من إمبريالية حيزبون فقدت أنيابها. ومادروا أن تغلب الاحتلال وحليفه على هذا المحور، إنما هي مرحلة في مشوار طويل، أقرب ما فيه، التفرغ لمصر وتركيا، لأنهما في نظر الاحتلال المفتاح الثاني لإنهاء مهمة الشرق الأوسط الجديد. يسعى الاحتلال لحل معضلته الاستراتيجية والتأريخية، وهو لا يمكنه أن يقبل بمفاوضات لن يتحقق بها هذا الرهان. وأما العرب الذين لا تتجاوز رؤيتهم أبعد من خياشيمهم، فسيعتبرون مناوراتهم فهلوة استراتيجية. ولن يشفع لبقية العرب انخراطهم في المشروع الإمبريالي، فكلهم سينالون نصيبهم من الخراب. المعادلة هنا واضحة: مفهوم الحليف الإقليمي يعتمد على بقاء المناهض للمشروع الإمبريالي، فلو افترضنا القضاء على محور المناهضة، فلن يبقى للحليف الإقليمي دور حقيقي وستبدأ حكاية أخرى. فحتى من الناحية الاستراتيجية، يكون قيام محور المناهضة في صالح الحليف الإقليمي، لأنه يوفر له وظيفة في معادلة صعبة.

ما لم يدركه الاحتلال وحليفه الأعظم، هو أن هذه المعركة وجودية، وحده من يملك فيها المخاطرة حتى النهاية سينجو. وقد تكون المخاطرة لدى الاحتلال في حدود معينة، محكومة بقانون القصور الذاتي، لكنها بالنسبة لمحور المناهضة لا حدود للمخاطرة، وهي محكومة كمومياء بالتحول من جُسيم إلى موجة، نحن إزاء حوار طرشان بين فيزيائيِّين. لقد أبهرنا الاحتلال بعبقريته التقنية في استهداف المدنيين، بجريمة حرب ضد الناس، لكنه أكد عن غباء كبير في قراءة المشهد واستيعاب الحدث وتجريب المجرب. لن تُهزم أمة وهي في وضعية صمود وكفاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى