اراء

استباقاً لاتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.. إسرائيل تواصل تدمير جنوب لبنان

بقلم: أ.د أحمد القطامين..

في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات على إمكانية التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقات تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين، تبدو إسرائيل وكأنها تسابق الزمن لفرض وقائع ميدانية جديدة على الحدود الشمالية مع لبنان. فبينما تنشغل العواصم الكبرى بمسارات التفاوض والحسابات السياسية المرتبطة بمستقبل الصراع في المنطقة، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التدمير الواسعة في جنوب لبنان، بالتوازي مع تعزيز وجوده العسكري في مناطق حدودية وتحويلها إلى نطاقات أمنية شبه معزولة.

منذ اندلاع المواجهات الأخيرة على الجبهة اللبنانية، تعرضت عشرات البلدات والقرى الجنوبية لدمار كبير طال البنية التحتية والمنازل والأراضي الزراعية. ولم تقتصر العمليات العسكرية على استهداف مواقع عسكرية أو نقاط اشتباك، بل امتدت لتشمل مقومات الحياة المدنية، الأمر الذي أدى إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان وإفراغ مساحات واسعة من القرى الحدودية. ويخشى اللبنانيون أن يكون هذا الدمار جزءاً من استراتيجية تهدف إلى خلق واقع ديموغرافي وأمني جديد يصعب تغييره في أي تسوية مستقبلية.

وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية حساسة. فإسرائيل تدرك أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران قد ينعكس على مجمل ملفات المنطقة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. لذلك يبدو أن المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تسعى إلى تعزيز أوراقها التفاوضية من خلال فرض معادلات ميدانية جديدة قبل أن تتبلور أية تفاهمات إقليمية قد تحد من حرية حركتها العسكرية أو تفرض عليها ترتيبات أمنية مختلفة.

غير أن هذه السياسة تحمل في طياتها مخاطر كبيرة. فاستمرار عمليات التدمير والاحتلال المحدود أو التوسع العسكري داخل الأراضي اللبنانية قد يؤدي إلى تعقيد أية جهود دبلوماسية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار أو إعادة الاستقرار إلى المنطقة. كما أن خلق وقائع جديدة بالقوة قد يدفع حزب الله إلى التمسك بخيارات المواجهة، ما يجعل فرص التهدئة أكثر هشاشة في المستقبل.

في المقابل، يواجه المجتمع الدولي اختباراً حقيقياً في التعامل مع ما يجري في جنوب لبنان. فالدعوات المتكررة لاحترام القانون الدولي وحماية المدنيين تبقى بلا قيمة عملية إذا لم تقترن بإجراءات واضحة تمنع استمرار التدمير وتضمن انسحاب القوات من الأراضي المحتلة. كما أن إعادة إعمار الجنوب وعودة السكان إلى قراهم ستظل رهينة بمدى قدرة القوى الدولية على فرض حلول عادلة ومستدامة.

في المحصلة، يبدو أن جنوب لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فبينما تتجه الأنظار نحو احتمالات التهدئة بين واشنطن وطهران، تستمر إسرائيل في ترسيخ واقع ميداني جديد قد يترك آثاراً عميقة على مستقبل المنطقة. وبين منطق التسويات السياسية ومنطق فرض الوقائع بالقوة، تظل إسرائيل مصدرا عميقا للتأزم في المنطقة ولعنة كبرى على حياة البشرية ومستقبل السلم والأمن العالمي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى