مفاوضات عن مفاوضات “بتفرق”

بقلم: عماد الحطبة..
عام 1969 صدرت رواية الشهيد غسان كنفاني “أم سعد”، والتي اشتهرت بجملة قالتها أم سعد “خيمة عن خيمة بتفرق”.
كانت تلك الجملة علامة فارقة في تأريخ النضال الوطني الفلسطيني، إذ كانت تعبيرا عن انتقال النضال الفلسطيني من خيمة “اللاجئ” إلى خيمة “الفدائي”، إيذانا بفتح صفحة جديدة في تأريخ المقاومة الوطنية الفلسطينية.
جاءت حرب تشرين 1973 لتبدو في نظر الكثيرين تتويجا للفعل المقاوم المصري من خلال حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري، وعمليات المقاومة الفلسطينية واللبنانية المدعومة من سوريا.
لكن تلك الحرب حملت في أحشائها بذور مؤامرة على النضال التحرري العربي عندما خان السادات الجيش المصري والأمة وذهب إلى مفاوضات مع العدو الصهيوني “مفاوضات الكيلو 101” لتتحول خيمة الفدائي تدريجيا إلى خيمة “مفاوضات” عنوانها تقديم التنازلات تلو التنازلات للعدو الذي رغم هزيمته العسكرية أصبح صاحب اليد العليا سياسيا.
جاءت قمة الرباط 1974 لتتقدم خطوة أخرى على طريق التنازلات بنزع البعد العربي عن الصراع مع العدو الصهيوني، والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. تبين لاحقا أن هذا القرار أعدّه وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بالتعاون مع السادات، بهدف تخليص السادات من عبء القضية الفلسطينية، فكان ذلك القرار الخطوة الأولى في رحلة السادات إلى القدس، وتوقيعه اتفاقيات كامب ديفيد 1979.
من خيمة كامب ديفيد انتقل النظام الرسمي العربي إلى خيمة اتفاق 17 أيار في لبنان، والذي تصدت له المقاومة سياسيا وعسكريا وأسقطته قبل مرور سنة على توقيعه. كانت الظروف حينها تشبه ظروف المقاومة اليوم، إذ تعرضت لضربة قاسية خلال الاجتياح الصهيوني للبنان 1983، وتخيلت القوى الاستعمارية وحلفاؤها في الداخل اللبناني أن الفرصة مواتية للذهاب نحو “للسلام” مع العدو.
لكن المقاومة انبثقت كالعنقاء من الرماد وسددت ضربات مؤلمة من خلال تفجير مقر المارينز في بيروت الذي ذهب ضحيته 42 قتيلا أمريكيا، وهي الخسارة الأكبر لأميركا في هجوم واحد منذ الحرب العالمية الثانية، وفي نفس اليوم تفجير مقر المظليين الفرنسيين في بيروت ومقتل 55 فرنسيا وهي أيضا الخسارة الأكبر لفرنسا في هجوم واحد منذ حرب الجزائر.
توالت خيم المفاوضات من وادي عربة إلى أوسلو وحتى الاتفاقيات الإبراهيمية، في الجانب المضاد توالت عمليات المقاومة ومعاركها في لبنان وفلسطين بدعم من سوريا وإيران، وبدأ يتشكل محور مقاوم عبّر عن نفسه بقوة منذ انتصار 2006. انضمت اليمن والمقاومة العراقية إلى محور المقاومة لتصبح أطراف المعركة واضحة: محور مقاومة أخذ على عاتقه التصدي لقوى الاستعمار والهيمنة، وحلف تبعية تواطئ مع قوى الاستعمار لتحقيق مصالحها في بلادنا.
كان طوفان الأقصى المعركة الأهم التي خاضها محور المقاومة واستطاع من خلال وحدة الساحات تأكيد حضوره كطرف فاعل في الصراع بين شعوب المنطقة المقهورة وقوى الاستعمار وحلفائها. بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة ولبنان، وسقوط الدولة السورية في يد العصابات الإرهابية، سوّقت الدوائر الرأسمالية فكرة هزيمة محور المقاومة، وبدأت تضع خططا ومخططات لاستكمال هيمنتها على مركز قوة المقاومة فطرحت مشاريع ريفييرا غزّة، وتسليم سلاح المقاومة، وضم دول جديدة للاتفاقيات الابراهيمية.
ولأن النصر الاستعماري لم يكن سوى فبركة إعلامية تغاضت عن شروط الصراع بين المستعمر (الأقوى عسكريا دائما)، والمقاومة (الأضعف عسكريا)، فقد تم الترويج للنصر الاستعماري على قاعدة الخسائر في الأرواح والمعدات، وتغاضت هذه الرواية عن الصمود والإرادة وتحقيق الأهداف من المعركة.
جاءت حرب الاثني عشر يوما ضد إيران في محاولة لتعميم رواية الهزيمة على إيران. لم تحقق تلك الحرب أهدافها فاضطر العدو لشن عدوان أكثر شراسة وهمجية، كانت بدايته بقتل الأطفال في مدرسة ميناب، وانتقل للاغتيالات وقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية في محاولة لتكرار رواية النصر في لبنان وغزّة. جاءت المفاجأة الكبرى بصمود إيران وقدرتها على الرد بشكل فعّال ومؤلم، ثم كانت الصاعقة بالتحاق المقاومة الإسلامية اللبنانية التي ظهرت بكامل قوتها وعنفوانها.
خيمة المفاوضات في باكستان اختلفت عن جميع خيام المفاوضات التي سبقتها في تأريخ منطقتنا. للمرة الأولى تكون المفاوضات حول مصالح إيران ومحور المقاومة وليس مصالح المستعمرين. محور المقاومة يضع شروطا وحلف العدوان يقدم طلبات. بعد 21 ساعة من المفاوضات كان من السهل على الوفد الإيراني المغادرة حتى لا يقدم ولو تنازلا واحدا عن مطالبه. رغم الموقف المتخاذل للحكومة اللبنانية التي طالبت بعدم شمول لبنان بالاتفاق، وتوسلت المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي، إلا أن المفاوض الإيراني تصرف بمنطق المنتصر ولم يقبل التنازل.
انعكست عقارب ساعة التأريخ، هذه حقيقة ما حدث منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، ومحور المقاومة ينتقل من إنجاز إلى إنجاز في كسر هيبة الاستعمار، والتقدم نحو التحرير بخطى ثابتة، أما من يستسهل النصر ويتعجل الهزيمة فهو بمعرفته أو عن جهل ينحاز إلى حلف العدو.



