اراء

ماذا لو انتصر حزب الله؟

بقلم: كريستينا شطح..

في لحظة سياسية تبدو فيها المنطقة كلها معلّقة على احتمالات حرب طويلة بين إسرائيل وحزب الله، لا يعود السؤال عن “مجريات القتال” وحده هو الأهم، بل عن شكل لبنان الذي سيتكوّن بعد انتهاء هذه الحرب. ومن هنا تبرز فرضية “انتصار حزب الله” أو خروجه غير مهزوم كتحول بنيوي لا يخص ميزان القوة العسكري فقط، بل يعيد تعريف الدولة نفسها، ومعها موقع كل الأطراف، بما فيها تلك التي راهنت على أن الحرب قد تفتح نافذة لتغيير جذري، كما عبّر عنه خطاب “معراب 3”.

في هذا الخطاب، بدا واضحًا أن جزءًا من القوى السيادية اللبنانية قرأ الحرب باعتبارها لحظة محتملة لإعادة إنتاج ميزان القوى الداخلي: الضغط الدولي، وتراجع قدرة حزب الله، وإمكانية الدفع نحو نزع سلاحه أو على الأقل تقييد دوره عبر قرارات دولية ومحلية، وصولًا إلى طرح فكرة محكمة خاصة لمحاسبة من “أدخل لبنان في الحرب”. غير أن هذه الرؤية، رغم تماسكها السياسي، كانت تفترض ضمنيًا شرطًا حاسمًا: أن الحرب ستنتج ضعفًا حاسمًا في موقع حزب الله. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى في السيناريو المعاكس.

إذا انتهت الحرب من دون هزيمة لحزب الله، أو إذا خرج منها محتفظًا ببنيته العسكرية الأساسية بل وربما أكثر رسوخًا في معادلة الردع، فإن النتيجة لا تكون مجرد “فشل عسكري لإسرائيل”، بل إعادة تثبيت للواقع اللبناني كما هو، ولكن على قاعدة أكثر صلابة وأقل قابلية للتغيير. فبدل أن تتحول الحرب إلى مدخل لإعادة توزيع القوة، تتحول إلى تثبيت غير معلن لهذه القوة.

في هذا السياق، يتغير معنى “معراب 3” نفسه. فالمؤتمر الذي صِيغ كأنه لحظة ما بعد الحسم، لا كقراءة داخل زمن الحرب، يكشف اختلالًا بنيويًا في مقاربته: إذ لم يكن يقدّم برنامجًا سياسيًا يتعامل مع الاحتمالات، بل بنية سردية تفترض نتيجة واحدة مسبقة وتبني عليها منظومة كاملة من الاستنتاجات، من المحاسبة إلى إعادة تعريف الدولة. بهذا المعنى، لم يكن “معراب 3” مجرد موقف سياسي، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع عبر افتراض سقوط الخصم قبل تحقق شروط سقوطه.

لكن حين لا تقع هذه النتيجة، لا يتعرض الخطاب لمجرد تراجع في الواقعية، بل لانكشاف أعمق: انكشاف اعتماده على لحظة غير مُنجزة أصلًا. فالمشكلة لا تكمُنُ في طموح “إعادة بناء الدولة”، بل في ربط هذا الطموح بانهيار ميزان قوة لم يكن قد انهار أصلًا، وكأن السياسة يمكن أن تُبنى على محاكاة نتيجة حرب بدل قراءتها.

في المقابل، يخرج حزب الله من هذا السيناريو بموقع مختلف: ليس كقوة انتصرت انتصارًا مطلقًا، بل كقوة أثبتت أن بنيتها العسكرية والسياسية لا تُدار بمنطق الانهيار المتوقع. وهذا وحده كافٍ لإسقاط الفرضية التي بُني عليها “معراب 3”: أن لحظة الضعف الحاسم ممكنة أو قريبة أو قابلة للتوظيف السياسي المباشر.

أما الدولة اللبنانية، فهي الطرف الذي يتعرض لأعمق اهتزاز في هذا المسار، إذ تتكرس معادلة ازدواج السلطة: شرعية سياسية كاملة في النصوص، واحتكار قوة منقوص في الواقع. وفي الخلفية، لا يعمل هذا الانقسام في الفراغ، بل فوق مجتمع منهك اقتصاديًا، مستنزف اجتماعيًا، يعيش انهيارًا ماليًا طويل الأمد، ما يجعل أي مشروع سياسي-سواء سياديًا أو مقاومًا- مقيّدًا بحدود الواقع الاجتماعي لا بحدود.

لكن هذا ليس مجرد خطأ تقدير، بل شكل من أشكال السياسة التي تُنتَج خارج زمنها الحقيقي: خطاب يسبق الميدان بدل أن يقرأه، ويستبدل تعقيد الواقع ببنية استنتاجية مغلقة، ثم يعيد تقديم هذا الاستنتاج كأنه شرط تأسيسي للدولة.

أما في سيناريو النتيجة المعاكسة -حيث يخرج حزب الله من الحرب غير مهزوم أو أكثر رسوخًا في معادلة الردع- فإن الانهيار لا يصيب “معراب 3” كخطاب فقط، بل يصيب البنية التي أنتجته أصلًا: منطق سياسي افترض أن التأريخ يمكن أن يُختصر بلحظة حاسمة واحدة، وأن ميزان القوة قابل للتصفية السياسية قبل أن يُحسم ميدانيًا.

وهنا يتبيّن أن المشكلة ليست في جرأة الطرح، بل في وهم قابلية الواقع للاختزال: اختزال الحرب في نتيجة مسبقة، والدولة في مشروع يُبنى فوق هذه النتيجة، والمجتمع في تفصيل هامشي يمكن تجاوزه. بينما الواقع في المقابل كان يعمل في اتجاه مختلف تمامًا: تثبيت قوة عسكرية، دولة محدودة السيادة، ومجتمع منهك اقتصاديًا يعيش الانهيار كشرط دائم لا كمرحلة انتقالية.

وعليه، فإن “معراب 3” لا يُهزم فقط إذا لم تتحقق فرضياته، بل يُفكَّك من الداخل لحظة ولادته: حين يتبيّن أن الدولة التي يتحدث باسمها مشروطة بانتصار لم يقع، وأن الخريطة التي يرسمها لا تنطلق من الواقع بل من نسخه المفترضة، وأن ما يقدّمه ليس مشروع انتقال، بل إعلان سياسي عن مستقبل لم يُنتَج بعدُ ولا توجد شروط لإنتاجه أصلًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى