اراء

أزمة مضيق هرمز.. الخيارات الأخرى مكملة وليست بديلة

بقلم: يحيى الصادق..

مع تضاؤل الآمال بإمكانية استعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز لنشاطها السابق قريباً، اتجهت بعض دول المنطقة لاستثمار ما هو متاح لديها من خيارات تصدير بديلة.

فكانت أن عملت السعودية على تشغيل مكثف للأنبوب القديم الذي يربط حقول النفط في شرق البلاد بميناء ينبع على البحر الأحمر. كما سارعت الإمارات إلى تشغيل خط الأنابيب الناقل لنفطها من حقوله الرئيسة إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان، متجاوزة بذلك عقدة مضيق هرمز.

فيما اتجه العراق إلى محاولة استثمار أقصى ما يتيحه خط الأنابيب المتجه نحو ميناء جيهان التركي من قدرات تصديرية.

إلا أن هذه الخيارات، وعلى أهميتها في هذه المرحلة، فقد بقيت قاصرة عن تعويض ما خسرته الأسواق العالمية من كميات نفطية جراء توقف عبور السفن المحملة بالنفط لمضيق هرمز.

قاصرة لسببين: الأول أن الخيارات البديلة المتاحة حالياً، والتي وضعت في الاستثمار، لا توفر الإمكانية سوى لتصدير نصف الكمية التي كانت الدول المستثمرة لهذه البدائل تصدرها سابقاً.

فمثلاً الرياض لم تتمكن خلال الأيام الماضية من تصدير سوى 3 ملايين برميل يومياً عبر الأنبوب القديم، والإمارات نحو مليون ونصف المليون برميل، والعراق أقل بكثير من صادراته الاعتيادية البالغة نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً.

وعليه فإن هذه الخيارات بوضعها الراهن لا يمكنها أن ترقى إلى مستوى البدائل الاستراتيجية، وإنما هي مجرد “مخارج” مؤقتة لتخفيف من حدة الأزمة الحالية، وإحدى الخيارات المستقبلية التي يمكن تطويرها لتخفيف من مستوى المخاطر المحدقة بمضيق هرمز.

أما السبب الثاني فهو أن هناك دولا أخرى في المنطقة كالكويت وقطر مثلاً، لا تملك خيارات تصدير جاهزة في الوقت الراهن يمكنها استثمارها لحين معالجة أزمة المضيق، الأمر الذي يوسع من دائرة الفجوة المتشكلة بين إجمالي الكميات المصدرة عبر المضيق قبل اندلاع الحرب، وما يمكن تصديره حالياً في ظل تعثر حركة الملاحة الطبيعية والاعتماد على البدائل.

خيارات داعمة وليست بديلة

وهذه ليست المرة الأولى، التي تكون فيها حركة الملاحة في مضيق هرمز مهددة بالتوقف أو متعثرة. إذ يمكننا القول إن معظم حروب الخليج السابقة تركت تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على حركة الملاحة عبر المضيق، وبنسب متفاوتة بين حرب وأخرى، إلا أن أشدها كانت إبَّانَ الحرب العراقية-الإيرانية.

ومع ذلك فإن جميع الجهود الإقليمية والدولية انصبت في المقام الأول على استمرار عمل المضيق وضمان عبور السفن بعيداً عن أية تهديدات أو مخاطر عسكرية أو أمنية أو اقتصادية.

وقلة من الدول كالسعودية والعراق حاولت البحث قبل سنوات عن “مخارج طوارئ” مؤقتة تضمن استمرار تجارتها النفطية والسعية، ولو بالحد الأدنى. وهذا ما يفرض سؤالاً لازماً في ضوء مجريات السنوات والأشهر الماضية، والتي كانت تجزم بحصول مواجهة أمريكية-إسرائيلية مع إيران. هذا السؤال هو: هل مضيق هرمز استراتيجي إلى هذا الحد، الذي تنتفي معه فعالية أي بدائل أخرى؟

وفقاً لبيانات التجارة العالمية فإن نحو ربع صادرات النفط نحو الأسواق العالمية، و4% من تجارة الحاويات تمر عبر مضيق هرمز، وهي عموماً تجارة قيمتها يمكنها أن تتراوح ما بين 1-1.5 تريليون دولار بحسب تقديرات غير رسمية، وبالتالي فإن العمل على إيجاد خيارات بديلة مناسبة لابد لها وأن تؤمن انسياباً مريحاً من ناحية، وتحقق جدوى اقتصادية لدول المنطقة من ناحية ثانية، سواء من حيث كميات السلع والبضائع أو قيمتها وكلفها. وعملياً فإن الخيارات المتاحة لا تخرج عن مسارين:

الأول تحويل موانئ التجارة من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر وخليج عُمان، الأمر الذي يتطلب إنشاء بنية تحتية واسعة وقادرة على تلبية احتياجات التصدير للدول المطلة على الخليج والمحكومة بمضيق هرمز.

بنى تحتية تمتد من حقول الإنتاج إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر وموانئ خليج عمان، وهو ما يحتاج إلى استثمارات ضخمة وإلى وقت ليس بالقليل. لكن مثل هذا الخيار سيظل مرهوناً باستقرار الوضع في دول مشرفة على مضيق باب المندب كاليمن والصومال، خاصة وأن إسرائيل تحاول إيجاد موطئ قدم لها في القرن الأفريقي لمراقبة حركة الملاحة في المنطقة والتأثير عليها.

الثاني يتعلق بتنشيط تجارة الترانزيت عبر البر، وهناك خيارين: الأول الإسراع بتنفيذ واستثمار مشروع طريق التنمية، والذي يربط مرفأ الفاو العراقي بالمرافئ التركية. إلا أن هذا الخيار سيكون بالنسبة للدول المشتركة فيه جاذباً للتجارة السلعية أكثر منه للتجارة النفطية بالنظر إلى الطاقة الاستيعابية لبناه التحتية.

الخيار الثاني يتمثل في إعادة تنشيط تجارة الترانزيت عبر الأراضي الأردنية والسورية كما كان قائماً قبل اندلاع الأزمة السورية عام 2011. وهنا يتعدى الأمر مسألة نقل السلع والبضائع إلى إحياء مشاريع نقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية، سواء مع الجانب العراقي الذي وقع مذكرات تفاهم مع الحكومة السورية منذ عدة سنوات بغية إصلاح خط الأنابيب القديم وإنشاء خط جديد وحال تواجد القوات الأمريكية في سوريا دون تنفيذ تلك المشاريع، أو مع الجانب القطري الذي كان يطمح إلى مد خط أنابيب لتصدير الغاز إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا، مستفيداً في ذلك من بنية مشروع الغاز العربي. ويقال إنه المشروع الذي سبب تحولاً في الموقف القطري من العلاقة مع سوريا إبَّانَ حكم الرئيس السابق بشار الأسد، والذي قيل إنه رفض فكرة المشروع لكونه يشكل تهديداً لصادرات الغاز الروسي.

لا بديل عن اتفاق

أياً كانت الخيارات التي يمكن أن تفكر فيها دول المنطقة لتفادي اضطرابات جديدة تؤثر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، فإنها تبقى بمنزلة “خطة إسعافية” داعمة لا ترقى إلى مستوى البديل الكامل. فلا شبكة الأنابيب البرية قادرة على نقل كامل صادرات دول المنطقة من الغاز والنفط، ولا حصر الصادرات النفطية مجدداً بمنطقة واحدة كالبحر الأحمر يضمن استقراراً لسلاسل الإمداد للأسواق الداخلية والعالمية، لاسيما في ضوء الأحداث التي يعيشها اليمن وما تعرض له خلال السنوات الأخيرة من تدخلات خارجية.

لذلك فإن البديل الوحيد يكمُنُ في اتفاق دول الخليج على خريطة طريق تضمن تشغيل مستمر للمضيق مع المحافظة على مصالح الدول وأمنها وحقوقها. وهذا لا يمكن أن يتحقق مع انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة أو تهديد الدول لأمن بعضها أو إشعال الحروب والنزاعات الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى