مفردات في هواجس شمشون العصر

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
مع التصعيد الحاصل في الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية وسقوط الطاغية ترامب بين سندان الورطة التلمودية ومطرقة الهزيمة التأريخية، مما اضطره إلى هستيريا التهديد والوعيد نجد أنفسنا في أروقة التأريخ المظلمة حيث تسكن فكرة مرعبة تعرف بـخيار شمشون، وهي استراتيجية الردع العسكري القائمة على مبدأ التدمير المتبادل المؤكد والمستوحاة من السردية الشمشونية (عليّ وعلى أعدائي). من الطبيعي انه حين يدرك الطاغية المتجبر أن عرشه يتهاوى وأن نهايته باتت وشيكة لا يعود النصر هو الغاية بل تصبح الغاية هي ألا ينجو أحد بعده، أنها حالة الهستيريا واللاشعور وفقدان الهيبة التي يعيشها ترامب ويشاركه إياها النتن ياهو تضعنا في محضر حقيقة مفادها، إن الطاغية بات يشعر بخسارة الحرب فعلا ولا يرى في الهزيمة مجرد انكسار عسكري بل يراها إهانة وجودية تلغي مبرر بقائه، لذلك يغدو من البديهي إن ما يجول في رأس المتجبر ترامب الآن ليس الندم أو الرغبة في حقن الدماء بل المزيج من العدمية والانتقام. الطاغية يعتقد أن العالم كل العالم لا يستحق البقاء إذا لم يكن هو سيده ومالكاً لثرواته ومقدرات شعوبه وهذا ما يؤكده لسانه مرارا وتكرارا، لقد تفاجأ ترامب ومعه النتن بوحدة الشعب الإيراني اللذان كانا يعولان عليه في إسقاط النظام وقوة إيران وتفاجآ بصمود إيران وقوة رجالها وسلاحها وبدأ يبحث عن عقدة الخلاص بالدم، فقد يرى المعتوه في تحويل الهزيمة إلى كارثة عامة، نوعا من البطولة اليائسة التي تخلد اسمه في سجلات الرعب. المتابعون لسير الأحداث منذ بدء الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية يرى، ان الخيارات قد تلاشت بوجه الطغاة حيث أغلقت في عينيه سبل النجاة بتحقيق أهدافه التي أعلنها ليصبح الضغط على زر الفناء هو وسيلته المحتملة لاستعادة الشعور بالسيطرة. كل شيء قد يكون لا قدر الله.. هي رؤية لابدَّ من الخوض فيها رغم مكروهيتها ونبذها فطريا في النفس البشرية، لأنها تؤدي بالجميع إلى الهاوية وهنا قد يسأل سائل: لماذا نضع احتمال أن تصل الأمور إلى الهاوية؟ خيار شمشون ليس مجرد قرار لحظة بل هو نتيجة لمقدمات تتراكم حد الانفجار في الذات الفرعونية، فتبدأ ساعة شعور الطاغوت بأن تفوقه العسكري لم يعد يحقق أحلامه أو يحميه، وهنا قد يلجأ للسلاح الأخير لإعادة فرض الرعب. واقع مُر وأمر من الحنظل يواجه أمريكا وسيد البيت الأبيض في هذه الحرب يتزامن مع بداية تعدد القطبية وحضور روسيا والصين بين سطور الملعب والعزلة الدولية التي بدأت تتنامى ضده والشعور بالنبذ وهو ما يدفعه نحو التسليم لفكرة الانتحار الجماعي. أن هذه الحرب العقائدية المتطرفة العاجلة التي يخوضها ترامب والنتن قلبت السحر على الساحر، حيث تحولت من صراع مصالح إلى حرب وجود أو فناء وهو ما قد يسقط المنطق العسكري في البنتاغون ويقدم الرغبة في الهدم الشامل. الواقع اليومي للحرب يؤكد صمود إيران الإسلام الشيعي الصابر الصادق المتخم بالقيادات الفكرية والعقائدية، وهو ما جعل العالم يعيش في لحظات تأريخية فارقة من الإقرار بأنها حرب وجود لا حدود، فتبرز تساؤلات مشروعة حول احتمالية وقوع الكارثة الكبرى. فهل نصل إلى استحقاقات شمشون في هذه الحرب؟ إن أية مواجهة مباشرة وشاملة تتجاوز الخطوط الحُمر قد تدفع الأطراف لتبني خطوط اللاعودة كما بانت ملامح ذلك برد الفعل الإيراني على عدوان الصهاينة على مفاعل نطنز النووي بقصف مفاعل ديمونا. فإذا شعرت قوة إقليمية أن بقاءها مهدد بشكل جذري فإنها لن تتردد في استخدام كل ما تملك من مخزون استراتيجي سواء كان نوويا أو صاروخيا لتحويل المنطقة إلى رماد. علما أن الكارثة لا تقع دائماً بقرار متعمد بل أحيانا بسبب خطأ مقصود من قائد معتوه مثل ترامب. إن استمرار التصعيد قد يضع هذا الطاغية في زاوية ضيقة لا يرى فيها مخرجا سوى هدم المعبد. إن العالم اليوم يقف على نصل حاد بانتظار تداعيات هوس الجنون من فرعون مجنون، فاستحقاقات شمشون ليست قدرا محتوما، فنحن نؤمن بالوعد الإلهي لكنها احتمال قائم بقوة ما دام العقل السياسي غائبا ومنطق القوة الغاشمة هو السائد، فالأشرار لا يدركون أن الانتصار في حرب الفناء هو هزيمة للبشرية جمعاء. إن خيار شمشون هو اعتراف نهائي بأن القوة التي لا يحكمها العقل هي مجرد أداة للانتحار، وأن الطاغية الذي يقرر قتل الجميع معه هو بالنهاية أحقر وأضعف من إرادة الواحد الجبار.. أبعدنا الله وإياكم والعالم أجمع من شرور شمشون العصر، ونصر إيران الحق والثبات والإسلام على أرباب الظلام.



