اراء

قبل زيارته الى الصين.. هل تستوعب عقلية ترامب حكمة الكونفيشوس؟

بقلم: آسيا العتروس..

إذا صحت الأنباء، فإن العاصمة الصينية بكين ستحتضن لقاء الرئيسين الصيني تشي جي بينغ والأمريكي دونالد ترامب الذي تأجل أكثر من مرة. لا خلاف أن مناخ وظروف زيارة ترامب الى بكين غير المناخ الذي شهد زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون الى الصين قبل نحو خمسين عاما وتحديدا في فيفري 1972 ولكنها لا يمكن أن تنفصل عنها لأسباب عدة.

صحيح أن نيكسون كان أول رئيس أمريكي يزور الصين والتقى آنذاك الزعيم الصيني ماو تسي تونغ وتشو ان لاي لإنهاء قطيعة استمرت أكثر من عشرين يوما. وقد وصفت الزيارة “بالأسبوع الذي غيّر العالم” حيث اعتبرت الزيارة التي ستعزز التوازن في مواجهة الاتحاد السوفياتي وتوفير مخرج في حرب فيتنام.. ولكن يبقى الأهم بالنسبة للجانب الصيني الخروج من ذلك اللقاء بوثيقة شانغهاي المشتركة لتطبيع العلاقات على أساس صين واحدة وهو الأساس الذي لا يزال قائما حتى اليوم، بمعنى أن مسألة تايوان ستكون حاضرة وبقوة في أي محادثات حول مستقبل العلاقات الامريكية الصينية ولا يمكن للصين أن تقبل بالتنازل عنها.

وستكون زيارة ترامب فرصة أخرى أمام الصين لتأكيد هذا المبدأ الذي تتأمل وفقه الصين في علاقاتها الدبلوماسية مع مختلف دول لعالم وترفض بالتالي المقايضة عن موقفها بشأن صين واحدة.. في ظل هذه الأحداث وغيرها أيضا تتجه الأنظار الى القمة الأمريكية الصينية وما يمكن أن تفرزه من مخرجات قد تعزز من دور الصين أولا كعملاق اقتصادي وعسكري صاعد يكاد ينفرد بمنافسة القوة الأولى في العالم وثانيا كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي معنى بالدفاع عن مصالحه الاستراتيجية وتوسعه في مختلف أنحاء العالم.

قمة قد لا تتضح نتائجها عاجلاً بالنظر الى تعقيدات المرحلة وما شهده النظام العالمي من اهتزازات سبقت الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران في جولتها الثانية بدءا باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو من قصره وصولا الى حرب الابادة المفتوحة على غزة وجنوب لبنان والحرب التجارية المستمرة في مضيق هرمز والتي يعتبرها عديد الملاحظين حرب غير مباشرة على العملاق الصيني ومصالحه الاستراتيجية في التزود باحتياجاته من النفط والغاز من البرازيل والصين.

وجب الاعتراف أن الدبلوماسية الصينية متحفظة جدا بعيدة كل البعد عن لعبة الاستعراض الإعلامي وهي دبلوماسية تعتمد الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في هدوء لضمان تحقيق أهدافها في كنف التكتم واعتماد سياسة توسيع الحلفاء والأصدقاء وتضييق دائرة الأعداء وهو توجه دبلوماسي ذكي لعله من أهم أسباب نجاح الصين في تعزيز علاقاتها وامتداد نفوذها في مختلف القارات دون أن تحتاج الى إطلاق رصاصة واحدة.

من هذا المنطلق، يبقى من السابق لأوانه التعويل على هذا اللقاء لوضع حد للحرب التي استنزفت المنطقة وجرت اقتصاديات العالم الى أزمات غير مسبوقة في الطاقة بالنظر الى أهمية مضيق هرمز كشريان للتجارة الدولية حيث يسجل مرور 20 بالمائة من السفن التجارية يوما كل ذلك في ظل تقلب مواقف الرئيس الأمريكي المزاجية واعتماده سياسة الشيء وضده في آن واحد التعاطي مع طهران وتوجيه رسائله الى الأطراف المعنية بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي التي وجدت نفسها في دائرة هجمات ترامب وتهديداته بالانسحاب من الحلف الأطلسي بعد رفضها العلني الانسياق الى هذه الحرب.. ذلك أن الرئيس الأمريكي لا يتوانى في الوقت نفسه الذي يدعو فيه الى الدبلوماسية في توجيه الضربات العسكرية لإيران.

طبعا هذه ليست الزيارة الاولى للرئيس الامريكي الذي كانت له زيارة سابقة الى بلد الكونفيشوس خلال ولايته الرئاسية الأولى سنة 2017 ولكن يبقى للزيارة القادمة عنوان مختلف لا يخل من تحديات وحسابات دقيقة والأرجح أن تكون الحرب على إيران ضمن محاور الزيارة ولكنها لن تكون الوحيدة وسيكون للحرب التجارية بين الجانبين على الأرجح الموقع الأبرز في محاولة لتجاوز الخلافات العالقة.. وسيكون من المهم في هذه المرحلة أيضا استحضار زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الى بيكين قبل زيارة ترامب المرتقبة الى بيكين.

لا خلاف أيضا أن زيارة ترامب الى بيكين تأتي قبل أشهر على موعد الانتخابات النصفية القادمة وتفاقم الانتقادات لسياساته وخياراته في الشرق الأوسط وتداعياتها على الرأي العام الأمريكي والناخب الأمريكي في مواجهة الارتفاع المستمر لأسعار النفط.. طبعا يبقى ملف ابستين وان تراجع في اهتمامات الإعلام الامريكي ومرشح للعودة في كل حين مع احتمال الكشف عن أسرار جديدة في هذا الملف قد لا تروق للرئيس ترامب.. وما دمنا في حضرة الصين وحكمة الكونفيشوس، سيتعيّن استحضار أساس حكمة فيلسوف الصين العظيم التي تشدد على أن “الدولة الفاضلة تجذب الدول وتكسب احترامها وولاءها من خلال سلوكها الأخلاقي وليس عبر البطش”.. عقلية الكونفيشوس غير عقلية الكوبوي الأمريكي وهي تقوم أساساً على التعايش بين الشعوب والأمم باختلاف مجتمعاتها واستكشاف القيم المشتركة للإنسانية عبر العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى