اخر الأخباراوراق المراقب

معركة الخندق.. دروس النصر مع التخطيط والتوكل

توالت غزوات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبعض قبائل العرب واليهود بعد معركة بدر وأُحد، ممّا أثار مخاوف اليهود وإحساسهم بالخطر من تعاظم قوّة المسلمين، فاندفعوا للتآمر على الإسلام ونبيّه العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، وراحوا يُحرِّضون أعداء الإسلام، ويُخطِّطون لتكوين تجمُّع عسكريّ هائل لمُهاجمة المدينة والقضاء على الإسلام.

لقد اتصل اليهود بقريش وغطفان، واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة، إلَّا أنّ أنباء هذه المؤامرة تسرَّبت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فشاور أصحابه، واستقرّ الرأي على حفر خندق حول المدينة لتحصينها، فاستنفر المسلمون لحفر الخندق وشارك هو صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في عمليّة الحفر.

تأهّبت أحزاب الكفر والضلال، من قريش وغطفان وبعض القبائل المعادية، وجمعوا رجالهم وأنصارهم ومن تبعهم، فكان تِعداد جيشهم عشرة آلاف مقاتل نزلوا قرب المدينة، بينما كان عدد المسلمين ـ كما في رواية الإمام الصادق عليه السلام ـ تسعمائة مقاتل تعبّأوا خلف الخندق بقوّة وشجاعة.

وشاء الله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه، ويوفّر لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم عوامل النصر، فيهزم أحزاب الكفر والضلال من دون قتال عنيف بين الطرفين.

عوامل النصر في معركة الخندق (الأحزاب)

ساهمت أربعة عناصر أساسية بتحقيق النصر في هذه المعركة، هي:

1- التخطيط العسكريّ الذي تمثَّل بحفر الخندق، حيث ساهم الخندق بحماية المسلمين والمدينة، وفي حرمان العدوّ من سرعة الحركة، وفي تطويل أمد المعركة وجعلها على شكل محاور، لكي تتفاقم أزمات الأحزاب نتيجة طول زمن الحرب.

2- العمل الاستخباريّ الفعَّال الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أدّى إلى إيقاع الخلاف بين قوى الأحزاب.

3- الدور البطوليّ الذي قام به الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، حيث مكَّنه الله من قتل عمرو بن عبد ودّ، وهو من أبرز صناديد قريش ورجالاتها، فانهارت قوّة قريش، ويئسوا وشعروا بالضعف والهزيمة.

وقد وصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موقف عليّ عليه السلام يوم الخندق بقوله: “لَمبارزةُ عليّ بن أبي طالب لِعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق، أفضلُ من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة”.

4- التأييد الإلهيّ الذي تمثَّل بجنود الله الغيبيّين، الذين نزلوا ساحة المعركة، والذي تمثَّل أيضاً بالرياح والعواصف الهوجاء، التي أصابت معسكر الأعداء فزلزلت استقرارهم، وفرضت عليهم الفرار أذلَّاء من دون تحقيق شيء.

نتائج المعركة:

أفرزت حرب الخندق المسلمين إلى ثلاث فئات:

1- ضعاف الإيمان: وهم الذين وقعوا تحت تأثير الوساوس الشيطانيّة والظنون السيّئة، فعاشوا الخوف والقلق عندما رأوا الأعداء قد تحالفوا ضدهم، فاهتزّ إيمانهم وفقدوا عمق الثقة بالله وبنصره.

وقد صوَّر القرآن الكريم موقف هذه الفئة بقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.

2- المنافقون: وقد اتخذوا عدّة مواقف ذكرها القرآن الكريم، هي:

أـ قالوا ما وعدنا الله ورسوله إلَّا غُرورا، لأنّ الله ورسوله كان قد وعدهم النصر والفتح، وها هم أمام حشود القوى المُتحالِفة لا يقوون على شيء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

بـ تثبيط العزائم وشلّ الإرادات عن الجهاد، قال تعالى حكاية عن المنافقين:

﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أي لا تقدرون على فعل شيء أمام قدرات الأعداء، فارجعوا من حيث أتيتم.

ج ـ خلق الأعذار الواهية من أجل الفرار من ساحة الجهاد، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.

3- المؤمنون الحقيقيّون: وهم الذين ـ لمّا رأوا الأحزاب ـ لم ينحرفوا قيد أنملة عن عقيدتهم وإيمانهم، ولم يضعفوا، ولم يُشكِّكوا، ولم يتزلزلوا وإنّما عبَّروا عن ثقتهم بوعد الله ورسوله، وعن صدقهم وإخلاصهم وعمق إيمانهم وثباتهم في مواقع التحدّي، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى