اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

تطبيق سُلّم رواتب جديد.. شعار سياسي يُعاد طرحه مع بداية كل دورة برلمانية

تنفيذه يصل الى طريق مسدود


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
مع بداية كل دورة برلمانية جديدة وتشكيل أية حكومة في العراق، تعود ملفات مؤجلة إلى واجهة الخطاب السياسي، يتقدمها ملف سلّم رواتب الموظفين الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الشعارات تداولاً بين الكتل السياسية، دون أن يجد طريقه الحقيقي إلى التنفيذ، وبين مطالبات نيابية متكررة بإقرار قانون يوحّد الرواتب ويعالج الفوارق الكبيرة بين الموظفين، يرى مختصون، أن الملف ما يزال أسير المزايدات السياسية والواقع المالي الصعب الذي تعيشه البلاد.
وكانت الحكومات المتعاقبة قد رفعت شعار تطبيق سلّم الرواتب، إلا أن حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني كانت من أبرز الحكومات التي تعهدت بالمضي نحو تشريع القانون منذ الأيام الأولى لتشكيلها، قبل أن تصطدم لاحقاً بجملة من العقبات القانونية والمالية، وأكدت الحكومة حينها، أن تطبيق سلّم الرواتب الموحد يتطلب تعديل أو إلغاء أكثر من 34 قانوناً نافذاً، منحت بموجبها مخصصات مالية متفاوتة بين الوزارات والمؤسسات، الأمر الذي خلق فجوة كبيرة في رواتب الموظفين بين جهة وأخرى.
ومع انطلاق الدورة البرلمانية الحالية، عاد عدد من النواب إلى طرح الملف مجدداً والتلويح بالسعي لإقراره داخل البرلمان، في محاولة لإظهار التوجه نحو تحقيق العدالة الوظيفية وتقليل التفاوت بين موظفي الدولة، إلا أن هذه التصريحات لا تتجاوز حدود الاستهلاك الإعلامي، خاصة في ظل غياب التوافق السياسي الحقيقي بشأن آلية التنفيذ، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي تضغط على الموازنة العامة.
ويؤكد مختصون في الشأن الاقتصادي، أن أي تعديل شامل على سلّم الرواتب يحتاج إلى تخصيصات مالية ضخمة قد تصل إلى ثلاثة تريليونات دينار سنوياً، لمعالجة الفوارق الحالية بين رواتب الموظفين، لاسيما بعد تضخم أعداد العاملين في القطاع الحكومي إلى نحو أربعة ملايين و550 ألف موظف، مع استمرار التعيينات التي غالباً ما ترتبط بالضغوط السياسية والدعايات الانتخابية.
ويرى المختصون، أن الحكومة باتت تعاني ترهلا وظيفيا واضحا، في وقت تذهب فيه النسبة الأكبر من الموازنة نحو النفقات التشغيلية والرواتب، إذ تشكل هذه المصروفات قرابة 90 بالمئة من إجمالي الموازنة، ما يجعل أية زيادة جديدة عبئاً إضافياً على المالية العامة، خصوصاً مع استمرار اعتماد العراق على الإيرادات النفطية كمصدر شبه وحيد لتمويل الإنفاق الحكومي.
وبحسب المختصين، فإن الحديث عن إصلاح سلّم الرواتب لا يمكن أن يتحقق من دون وجود إرادة سياسية حقيقية تبدأ من رأس الهرم، عبر إعادة النظر برواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة، قبل الانتقال إلى بقية الوزارات والمؤسسات التي تتمتع بامتيازات مالية مرتفعة، مبينين، أن الشارع العراقي فقد ثقته بالوعود المتكررة المتعلقة بهذا الملف، بسبب غياب خطوات عملية ملموسة طوال السنوات الماضية.
وفي السياق نفسه، أكد عضو اللجنة المالية السابق معين الكاظمي، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن” إقرار سلم رواتب جديد يتطلب وجود إرادة حقيقية لمعالجة الفوارق الطبقية بين الموظفين، بما ينسجم مع الواقع المالي الذي يمر به العراق”.
وأضاف الكاظمي، إن “القوى السياسية التي تطرح هذا الملف مطالبة بالتنسيق الجاد مع الحكومة المقبلة، ووضع آليات ودراسات مالية دقيقة تضمن إمكانية تطبيق القانون، بعيداً عن الطروحات الإعلامية والشعارات السياسية التي تتكرر مع كل دورة حكومية.”
وأوضح، أن” الحكومات السابقة ناقشت مشروع سلّم الرواتب مع وزارتي المالية والتخطيط، إضافة إلى البنك المركزي، في وقت كان عدد الموظفين يبلغ نحو 3 ملايين و200 ألف موظف، إلا أن الكلفة المالية الكبيرة التي تقدر بتريليونات الدنانير حالت دون المضي بتنفيذه”.
وأشار إلى أن “عدد الموظفين ارتفع حالياً إلى أكثر من 4 ملايين موظف، ما يجعل أي تعديل على سلم الرواتب بحاجة إلى دراسة متأنية تأخذ بنظر الاعتبار الأزمة المالية الحالية، لضمان عدم تأثيرها على الالتزامات الأساسية للدولة والإنفاق الضروري”.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، يبقى ملف سلّم الرواتب واحداً من أكثر الملفات تعقيداً ويتأرجح بين طموحات الموظفين بتحقيق العدالة، وعجز الحكومات عن تحمّل الكلفة المالية، ليظل القانون حتى الآن أقرب إلى شعار سياسي يتكرر مع كل دورة برلمانية أكثر من كونه مشروعاً قابلاً للتنفيذ على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى