الحرب التي يحسمها الصمود لا القصف

بقلم: نور الدين اسكندر..
بعد أسبوعين على بداية الحرب على إيران، وامتدادها إلى معظم منطقة غرب آسيا، وتجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان بموازاتها، يشتد التركيز على الكلفة المالية المباشرة، والهائلة، خصوصاً بعد تكشف أرقامٍ الأسبوع الأول التي فاقت 11 مليار دولار!.
لكن مع ذلك، تبدو هذه الكلفة غير حاسمة لتحديد الأفق الذي تسير إليه التطورات. هي عنصر مهم من دون شك، لكن هناك ما هو أكثر أهمية، وأشد أثراً على الاقتصاد العالمي برمته.
فمهما ارتفعت هذه الكلفة العسكرية، تبقى ضمن حدود حسابها بمليارات الدولارات، والولايات المتحدة واحدة من بين قوى محدودة في العالم، تستطيع تحمل هذا المستوى من الإنفاق، بالنظر إلى موازنة وزارة الحرب لديها، والتي تقترب من ملياري دولار يومياً.
الأرقام هنا تحسب بالتريليونات، والأحداث تكون أكثر دراماتيكية، إفلاس شركات وبنوك، فقدان سلع، توقف سلاسل إمداد، خروج رساميل، وصولاً إلى حد تقويض قيمة العملة نفسها، وتراجعها من عملة الاحتياط العالمي الأولى، إلى بحث المذعورين عن أصلٍ يحفظون فيه القيمة. الذهب أو عملاتٍ أخرى لقوى أكثر حكمة، تنتظر فوق التل، وتساعد في تحريك الرمال بأصابع ماهرة تقنياً وتكنولوجياً. أصابع تبدو من خلف دخان الحرب في الشرق. كيف يتأكد ذلك؟.
في الحرب الأوكرانية زوّدت إيران روسيا بمسيرات شاهد، التي حوّلها الروس إلى “غيران”، وكان لها الأثر الأكبر في مواجهة الدفق التسليحي الذي غذت به قوى الناتو أوكرانيا.
الخبرة الميدانية للضباط الروس تجري مشاركتها الآن في هذه الحرب، وفي الجانب الآخر تمكن زيلينسكي من إيجاد دورٍ له في الحملة ضد إيران، من الباب نفسه، مشاركة خبرة التعامل مع المسيرات.
والآن يُشارك الكرملين خبراته ومعرفته العسكرية المكتسبة من الحرب في أوكرانيا. صحيفة فايننشال تايمز تقول، إن واشنطن تستنفد مخزوناتها الصاروخية الحيوية في الحرب مع إيران. معطيات عسكرية مهمة تشير إلى أن الوقت وتجهيز البنية التحتية العسكرية لمواجهة طويلة، يعملان لمصلحة القوة المدافعة الآن، لكن ليس هذا الأهم في تحديد مدى الحرب ومستواها!
يبقى الاقتصاد، والطاقة تحديداً، محور الحرب اليوم، وتبقى الأحداث العسكرية والتسليحية حاسمة أيضاً في توجيه المسار!
البيت الأبيض نشر صورة طائرة B2 وخلفها العلم الأميركي، مع شعار “السلام من خلال القوة”، لكن الكلمة السحرية لم تكن هذه بل الكلمة التالية No Panicans.
الذعر هو العفريت الذي تخاف منه الأسواق، ويتحدث عنه القادة، ثم بسبب هذا الخوف وذلك الحديث، يصعد وينتشر، ما يحدث هو النذر الأولى لانهيارٍ عالمي كبير قد يحدث في أية لحظة. قبل الحرب كانت كل ظروف الأزمة متوفرة، فكيف في ظل حرب الأشخاص الخمسة، ومن خلفهم الشيطان السادس، ماذا سيحدث؟.
سيناريوهان فقط. وقف الحرب الآن من خلال اتفاق كبير أو انتصار الأميركيين بصورةٍ كاملة. وكلاهما متعذران بصورةٍ واضحة الآن. ماذا إذاً؟.
استمرار الحرب سوف يعني المزيد من القيود التي تفرضها صناديق استثمارية وبنوك مختلفة على عمليات سحب المال. المتضررون يهلعون ويلجأون إلى المزيد من بيع السندات الحكومية الأميركية. واشنطن سترفع أسعار الفائدة على الدين، على عكس كل جهود ترامب لخفضها في الأشهر الماضية (نتذكر خلاف ترامب مع جيروم باول).
الذعر الذي يحذر منه البيت الأبيض قد يتحول بسرعة إلى جائحة عالمية لا تنفع معها المعالجات. أولى نتائجها ستكون تظاهرات الشارع الأميركي وحركة النخبة ضد ترامب، ثم خسارة الانتخابات النصفية في الخريف المقبل!.
في مطلع العام الحالي كان سعر غالون البنزين في أميركا أقل من 3 دولارات. الآن هو في أعلى مستوى له على الإطلاق، وهو يختلف من ولاية إلى أخرى، ويراوح بين 4 و8.40 دولاراً في كاليفورنيا مثلاً.
هذا يعني فوضى عارمة على الأبواب إذا فلتت الحرب من يد ترامب. وهذا التعبير، أي فقدان ترامب السيطرة على الحرب، قاله حرفياً السيناتور كريس مورفي. وهذا قد يقود ترامب إلى رفع الرهان في إيران للتغطية على هذه الكارثة، وربما للتغطية على ملفات إبستين، التي يسود الاعتقاد أنه فتح الحرب لتغطيتها. كمن يتخبط في الهروب من حريقٍ إلى حريق!
يحاول ترامب الحصول على جائزة كبرى، منطقة نفطية كبرى من إيران، لتعويض النقص في الإنجاز الحاسم. في بداية الأسبوع الماضي، تم اتخاذ إجراء مهم لتجنب انفلات أسعار النفط، وهو تحديد 7 ملايين برميل يومياً كحد أدنى لخفض الإمدادات. الدول بدأت بالإنفاق من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، في محاولةٍ لتجنب حالة الذعر. لكن كل دولة حالة بذاتها، ولها ظروفها الخاصة الصعبة في هذا الموقف!.
الولايات المتحدة تمتلك 415 مليون برميل من الاحتياطيات، وهو معدل أقل بحدود النصف من المعدل العام في أيام السلم. الدول الغربية وجدت نفسها مضطرةً لإنفاق 400 مليون برميل من احتياطياتها على مدى أربعة أشهر (العجز اليومي 7 ملايين برميل).
وهذا كله يعني أن الاحتياطيات لن تخرج من دولها، الجميع بحاجة ماسة وملحة لمخزوناته. والجميع غير قادر على تحمل حربٍ طويلة، أو قصف البنى التحتية النفطية في الشرق الأوسط، التي تحتاج لسنوات طوال لإعادة بنائها.



