اراء

هل هي الجولة الأخيرة من الحرب؟

بقلم: غسان ملحم..
أحدث فشل الضغوط السياسية كافة -أو لنقل بالأحرى إفشال المفاوضات الدبلوماسية- وإخفاق سياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية، في تطويق وتطويع إيران، من قبل أميركا و”إسرائيل”، صدمة إقليمية بكل معنى الكلمة، سواء كانت إيجابية أم سلبية، فاندلعت هذه الحرب الشرسة والضروس في المنطقة مع مباشرة أميركا و”إسرائيل” هذا العدوان المشترك على إيران. وبذلك، تكون تل أبيب، ومعها اللوبي الصهيوني، قد أوقعا واشنطن في الفخ، وأغرقتاها في وحول مستنقع الشرق الأوسط؛ وتكون واشنطن قد أطاحت منطق الدبلوماسية والشرعية الدولية، كما منظومة القانون الدولي والنظام الدولي، لحساب منطق القوة الزجرية والعنف الإكراهي.
هي لحظة الحقيقة. نعم، ربما حانت لحظة الحقيقة، بعد أن بلغ هذا الصراع المديد مداه وذروته. فهل تكون هذه المعركة هي الجولة الأخيرة من هذه الحرب الطويلة أو هي الحرب الكبرى؟
على أي حال، هو العدوان الثاني في آذار 2026، من قبل أميركا و”إسرائيل” على إيران، وذلك بعد العدوان الأول في حزيران 2026. حينذاك، ظلت الأمور معلقة، وبقيت الحسابات مفتوحة.
وكان وقف إطلاق النار أشبه بالهدنة المؤقتة بعد تلك الجولة التجريبية لاختبار جبهة الخصم قبل العودة إلى المواجهة المؤجلة. فذهبت كل من طهران وتل أبيب وواشنطن إلى ترميم قواها وقدراتها، ولا سيما الأولى والثانية، سد الثغرات لديها، والتحضير والاستعداد لهذه الجولة الثانية، بعد تلك الجولة الأولى! كان ذلك مرجحًا.
ضمن هذا السياق، وعند هذا الموضع أو المقام بالتحديد، شهدنا دخول المقاومة في لبنان، في هذه المرة الثانية، بخلاف تلك المرة الأولى، على خط المواجهة بين أميركا و”إسرائيل” وإيران.
وكأن المقاومة اللبنانية هي أيضًا استأنفت واستكملت ترميم قواها وقدراتها ومعالجة مشاكلها بعد الحرب الأخيرة، ما بين أيلول 2024 وتشرين الثاني 2024. فوقف إطلاق النار كان أحادي الجانب، حيث التزم لبنان كله، ولا سيما المقاومة فيه، بينما أمعنت وأسرفت وأفرطت “إسرائيل”، من جانبها، في انتهاك وقف إطلاق النار وشن العدوان على لبنان وممارسة الاحتلال على جنوبه.
بذلك، تكون المقاومة في لبنان قد اقتنصت الفرصة والتقطت اللحظة، لا لإسناد إيران، بل بقصد الاستناد إليها، في محاولة، قد تكون أو تصبح موفقة، لإعادة بناء التوازن والردع مع العدو الإسرائيلي، عبر الاستفادة من انخراط إيران في المواجهة، من بعد الاعتداء عليها للمرة الأولى سابقًا، ثم تكراره للمرة الثانية مؤخرًا وحاليًّا.
وعليه، من شأن هذه الحرب، وهي ما تزال في أيامها الأولى، إعادة خلط الأوراق من جديد في الحسابات السياسية والتقديرات العسكرية والاستراتيجية لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين.
لقد أدت الضربة الأولى على طهران من قبل تل أبيب وواشنطن إلى استهداف المرشد الأعلى، قائد الثورة والجمهورية بشخصه، واغتيال العديد من القادة الإيرانيين، ومن بينهم وزير الأمن، رئيس هيئة الأركان والقائد العام للحرس.. فقامت إيران بالتقاط أنفاسها بعجالة، لتنتقل بسرعة إلى ممارسة حقها في الدفاع المشروع عن النفس، وتحتفظ وتتمسك بوضعية التدخل الإيجابي، ولا تكتفي بخانة التدخل السلبي.
أما أميركا و”إسرائيل”، في المقابل، فقد خابت توقعاتهما وتقديراتهما بإسقاط النظام الإيراني على الفور، أو بالحد الأدنى إضعافه إلى الحد الذي يجعله يعود إلى مأدبة المفاوضات ضعيفًا وصاغرًا، فيخضع ويرضخ للشروط والإملاءات الأميركية – الإسرائيلية بخصوص البرنامج النووي، البرنامج الصاروخي أو القدرات الصاروخية، والنفوذ كما الدور الإقليميين.
كذلك، فإن هذه الحرب بالذات وبالتحديد قد تفضي، في حال استمرت، على هذا المنوال وفي هذا الاتجاه، إلى إعادة خلط الأوراق من جديد في المعادلات والتوازنات، وربما التموضعات والاصطفافات، السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية، على صعيد الإقليم والنظام الإقليمي.
فقد تتمكن إيران، ومعها المقاومة في لبنان، بحال إثبات القدرة على الصمود أو الثبات أولًا، ثم القدرة على خوض غمار المواجهة ثانيًا، وربما تكون المواجهة مفتوحة، وربما تصبح الحرب إقليمية، من لجم الاندفاعة الأميركية والاستباحة الإسرائيلية، وكذلك إعادة ترميم التوازن الإقليمي والتوازن الاستراتيجي في الإقليم، على اعتبار أن الخروج من هذا المخاض الكبير والعظيم ربما يقتضي أو يفترض العبور والولوج من بوابة مثل هذا الحدث الكبير والعظيم لوقف هذا الانهيار البليغ والعميق في موازين القوى الدولية والإقليمية.
أما بالنسبة إلى كيفية احتساب نتائج هذه الحرب بميزان الأرباح والخسائر، فقد يكون من المبكر بطبيعة الحال الجزم والحسم في هذا الصدد وعلى هذا الصعيد، أقله حتى حينه وحتى تاريخه. الحرب لم ولن تنتهِ بالوتيرة أو بالإيقاع اللذين أرادتهما واشنطن و”تل أبيب”.
بهذا المعنى، ثمة مؤشرات عدة، لا بد من الإحاطة بها ورصد كيفية تطورها، لفهم مسار تطور الأحداث والأوضاع والوقائع والحقائق ذات الصلة، وهي تقع ما بين مؤشر أمد الحرب من جهة، أي المدى الزمني، حيث تسعى طهران، في مقابل واشنطن و”تل أبيب”، إلى إطالته، لاستنزاف الأميركيين والإسرائيليين من قبل الإيرانيين عسكريًّا واقتصاديًّا، ومؤشر كلفة الحرب من جهة أخرى، أي مقدار الخسائر والأضرار والأثمان والأعباء العسكرية والاقتصادية التي يجري تكبيدها أو تكبدها لدى الأطراف المتحاربين، في إشارة إلى واشنطن و”تل أبيب” وطهران وحزب الله، ومن ثم بقية الحلفاء والشركاء من الفاعلين الدوليين والإقليميين، المعنيين أو المنخرطين أو الضالعين في هذه الحرب.
من هنا، يمكن القول، من الآن، إن ما بعد هذه الحرب، في المنطقة برمتها وفي العالم بأسره، ليس كما قبلها على الإطلاق، بصرف النظر عن ماهية النتائج المباشرة وغير المباشرة، سواء صمدت إيران، وهي بذلك تكون ربحت وانتصرت، لتضع مطالبها على طاولة المفاوضات السياسية والدبلوماسية، وفق شروطها، أم خسرت هي، وربحت وانتصرت أميركا و”إسرائيل”، وهما بذلك تكونان أطبقتا على كل الشرق الأوسط، بعد أن انقضت واشنطن وتل أبيب على طهران، وأجهزتا عليها، وعلى من معها أيضًا. فلننتظر لنرَ، بعيدًا من الإسراع والتسرع، وكذلك الإفراط والتفريط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى