اراء

كيف يُعيد الميدان رسم خارطة القوة في المنطقة؟

بقلم: أكرم بزي..

في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى التمسك بالوحدة الوطنية، تواصل السلطة اللبنانية الإيغال في دماء اللبنانيين عبر المراهنة على أمراء الخليج والولايات المتحدة و”إسرائيل”، متجاهلةً جميع المواثيق والتوافقات الوطنية التي اتضح أنها لم تكن سوى ترتيبات مؤقتة بانتظار اللحظة المناسبة لإعادة صياغة النهج السياسي وتغيير البوصلة لتتجه نحو العدو بدلاً من الصديق. ولا يجد أصحاب هذا النهج حرجاً في جعل العدو صديقاً، في مقابل تحويل أكثر من نصف الشعب اللبناني إلى عدو.

وفي الوقت الذي تعاني فيه “إسرائيل” من خسائرها الميدانية في الجنوب اللبناني، وفقاً لما تنقله وسائل الإعلام العبرية والأمريكية والفرنسية، يتضح أن المشهد الإقليمي قد تجاوز حدود المناوشات العابرة ليتحول إلى زلزال استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ ويضع القوى التقليدية أمام اختبار وجودي لم يكن في الحسبان.

إن التخبط الذي تعيشه إدارة الرئيس دونالد ترامب في مساعيها لإنهاء حرب إيران يعكس عجز القوة العظمى عن فرض إرادتها في منطقة قررت التمرد على النص الأمريكي المعتاد. فالصفقات التي رُوّج لها كحلول سحرية باتت أعباءً سياسية تكبل يد ترامب وتضعه في مواجهة مباشرة مع تيارات التشدد في الداخل، وهو المأزق الذي أكده المعلق ماكس بوت في “واشنطن بوست” بتأريخ 9 حزيران 2026، موضحاً، أن ترامب يواجه فاتورة باهظة لحرب ما كان ينبغي إشعال شرارتها، حيث تبدو كل خيارات التسوية مع طهران أكثر سوءاً من سابقتها، وتفتح عليه أبواب الانتقاد من حلفائه الرافضين لأي تنازلات.

وعلى الجانب الآخر، يبدو المأزق “الإسرائيلي” أكثر عمقاً ووطأة. إذ أشارت صحيفة “لوموند” الفرنسية في عددها الصادر بتأريخ 9 حزيران 2026 إلى حالة الهستيريا التي تسيطر على النخبة السياسية والإعلامية في “تل أبيب”، ناقلةً عن المراسل العسكري لصحيفة “معاريف” آفي أشكنازي تعبيره عن الغضب العارم من سياسة الاحتواء والإملاءات الأمريكية، محذراً من أن إيران أثبتت أنها ليست مردوعة، وأن التردد “الإسرائيلي” سيجعل من الدولة العبرية طرفاً هامشياً في المنطقة.

هذا القلق الوجودي يجد مبرراته في الخسائر العسكرية الفادحة في جبهة جنوب لبنان، حيث أقر جيش الاحتلال “الإسرائيلي”، منذ تجدد القتال مطلع آذار الماضي وحتى أوائل حزيران 2026، بمقتل 26 ضابطاً وجندياً وإصابة 1180 آخرين، في حصيلة تجسد حجم الاستنزاف الذي يواجهه جنود النخبة في ألوية غولاني وإيغوز وماغلان تحت ضربات كمائن المقاومة. وتؤكد التقارير الصحفية العبرية، مثل “معاريف” و”واي نت” في 9 حزيران 2026، أن “تل أبيب” باتت تدرك نجاح طهران في فرض قواعد لعبة جديدة، ما جعل المعارضة “الإسرائيلية”، رغم خلافاتها مع نتنياهو، تغرق في المأزق نفسه، حيث لا تملك سوى التهديد بخيار عسكري شامل يعلم الجميع في الغرف المغلقة أنه قد يؤدي إلى انتحار جماعي في ظل التوازنات الجديدة التي فرضتها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

إن التساؤل الجوهري اليوم يتجاوز مصير نتنياهو السياسي ليصل إلى صميم العقد الاجتماعي والأمني لـ”إسرائيل”. فالميدان في جنوب لبنان، من خلال عمليات نوعية تستنزف أرواح الضباط والجنود، جعل الرهان على الغطاء الأمريكي أمراً غير مضمون، ما يضع “تل أبيب” أمام لحظة عزلة استراتيجية تأريخية تتقلص فيها خياراتها بين القبول بوقائع إيرانية جديدة على حدودها أو الإقدام على مغامرة عسكرية قد تقلب موازين المنطقة.

وفي نهاية المطاف، تبدو الصورة أكثر قتامة مما يروج له الإعلام السياسي. فواشنطن تحاول شراء الوقت بالصفقات المالية، و”تل أبيب” تسعى إلى ترميم الردع بمزيد من القوة في جنوب لبنان، بينما تواصل طهران فرض معادلاتها مستثمرةً التناقضات بين الحلفاء.

وما نشهده فعلياً هو بداية نهاية عصر الهيمنة، عصر لن تُكتب فصوله في البيت الأبيض أو الكنيست، بل في الميدان الذي تحول فيه النفط من مجرد سلعة إلى أداة سياسية تغير وجه العالم، لتضع الجميع أمام حقيقة قاسية، وهي أن الحرب التي انطلقت بناءً على حسابات واهمة لن تفضي إلا إلى مزيد من المآسي لكل من ظن أن القوة هي الحل الوحيد للمتغيرات التأريخية الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى