الحلم المسروق

بقلم/ د. عدنان لفتة..
لم يكن الطريق إلى كأس العالم 2026 مفروشاً بالورود، لأسود الرافدين الذين انتظروا أربعة عقود للعودة إلى المسرح الكروي الأكبر، ولا للاعبيه الذين حملوا على أكتافهم أحلام شعب بأكمله. وبينما كانت الجماهير تترقب انطلاقة تأريخية في الولايات المتحدة، بدأت ملامح البطولة تكشف وجهاً آخر أقل بريقاً وأكثر إثارة للجدل.
فما حصل مع النجم أيمن حسين خلال الوصول إلى أمريكا وتأخيره في المطار لساعات طويلة يعكس خللاً تنظيمياً فاضحاً تتحمله الفيفا كمؤسسة دولية رفيعة قبل البلد المنظم الذي لا يراعي قيمة النجوم ورمزيتهم كسفراء حقيقيين لبلدانهم.
الفوضى ظهرت منذ الأيام الأولى لوصول المنتخبات، وتصاعدت معها الانتقادات بشأن الجوانب التنظيمية للبطولة؛ من تعقيدات التنقل بين المدن الشاسعة، إلى الضغوط اللوجستية التي فرضتها المسافات الطويلة، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بالطقس وجدولة المباريات. وقد وجد كثيرون أن مونديالاً بهذا الحجم يستحق إعداداً أكثر انسيابية يراعي راحة اللاعبين والمنتخبات والجماهير على حد سواء.
وفي خِضَمِّ هذه الفوضى التنظيمية، تلقى منتخبنا الوطني ضربة موجعة أفقدته أحد عناصره المهمة. فقد أكدت الفحوصات الطبية تعرض أحمد يحيى لإصابة في العضلة الخلفية من الدرجة الثانية، ما يستلزم فترة علاج وتأهيل تمتد لأسابيع، لتنتهي بذلك رحلته المونديالية قبل أن تبدأ فعلياً، ويُستدعى أحمد حسن مكنزي بديلاً عنه في القائمة النهائية للمنتخب. وما أشبه اليوم بالأمس فالمشهد يكاد يتكرر مع مشاركتنا التأريخية الأولى في مونديال 1986 حينما حرمت الإصابة النجم عدنان درجال من التواجد مع زملائه في تلك الأيام الخالدة.
اليوم انطفأ حلم أحمد يحيى، فقد ضاعت المشاركة منه في الأمتار الأخيرة بعد أن كان يحلم كأي لاعب كرة قدم، بأن يكتب اسمه في سجلات كأس العالم. سنوات من التعب والالتزام والانضباط كانت تقوده إلى هذه اللحظة التأريخية، لكن كرة القدم كثيراً ما تكتب فصولها الأكثر قسوة بالحبر نفسه الذي ترسم به أجمل الأحلام. ففي لحظة واحدة، تحولت تذكرة السفر إلى المونديال إلى تقرير طبي، وتحولت فرحة الانتظار إلى مشهد وداع مؤثر لزملائه في معسكر منتخبنا الوطني.
ومع ذلك، فإن قصة فريقنا لا تختزل في إصابة لاعب أو سوء تنظيم بطولة. إنها قصة جيل كامل أعاد العراق إلى كأس العالم بعد غياب دام أربعين عاماً، جيل يدرك أن التحديات جزء من الرحلة، وأن المنتخبات الكبيرة تُقاس بقدرتها على تجاوز الصدمات لا بالهروب منها.
سيغيب أحمد يحيى عن المستطيل الأخضر، لكن حضوره سيبقى في قلوب زملائه الذين سيخوضون المباريات حاملين جزءاً من حلمه معهم. أما مونديال 2026، فرغم كل ما يحيط به من انتقادات تنظيمية، فإنه سيظل شاهداً على عودة العراق إلى المكان الذي يستحقه بين كبار العالم.
وفي النهاية، قد تنسى الجماهير تفاصيل الفنادق والمطارات والتنظيم، لكنها لن تنسى لاعباً بكى حلمه عند بوابة المونديال، ولن تنسى منتخباً عراقياً قرر أن يواصل المسير رغم كل شيء.



