اراء

موقف الصين بشأن الوضع في إيران

بقلم: وانغ مو يي..

شنّت الولايات المتحدة و “إسرائيل”، في 28 شباط، ضربات عسكرية ضد إيران. ولوّحت واشنطن بـ”تسوية صناعة الصواريخ الإيرانية بالأرض”، كما حرّضت الإيرانيين على “تولّي السلطة بعد انتهاء العملية العسكرية الأمريكية“.

إن هذا السلوك، القائم على الاعتداء العلني على دولة ذات سيادة والضغط لتغيير نظامها، يجسّد بوضوح سياسة القوة والهيمنة المطلقة.

وفي يوم الضربات نفسه، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، ردّاً على سؤال صحفي، أن سيادة إيران وأمنها وسلامة أراضيها يجب أن تُحترم.

كما شدّد مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير فو تسونغ، خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن إيران عُقدت بعد ظهر 28 فبراير/شباط، على هذا الموقف مجدداً، معتبراً أن وقوع الضربات العسكرية في وقت كانت فيه طهران وواشنطن تخوضان مفاوضات دبلوماسية أمرٌ صادم. وأوضح أن استخدام القوة ليس السبيل الصحيح لحل النزاعات الدولية، بل يؤدي إلى تأجيج الكراهية وتعميق التناقضات.

وفي الأول من آذار، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي محادثة هاتفية مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بناء على طلب الأخير.

ولفت إلى أنه من غير المقبول أن تشن الولايات المتحدة و “إسرائيل” ضربات على إيران خلال المفاوضات الأميركية الإيرانية، مضيفا أنه من غير المقبول منهما أيضا قتل قائد دولة ذات سيادة بشكل سافر، والتحريض على تغيير الحكومة. فهذه الأفعال تنتهك القانون الدولي والأعراف الأساسية الحاكمة للعلاقات الدولية. ومع امتداد التصعيد عبر الخليج، قد يُدفع الشرق الأوسط إلى هاوية خطيرة، وهو ما يثير قلقاً بالغاً لدى الجانب الصيني.

وفي هذا السياق، طرح وانغ يي ثلاث نقاط أساسية تمثل موقف الصين:

أولا، وقف فوري للعمليات العسكرية. منع انتشار الحرب وامتدادها ومنع خروج الوضع عن السيطرة. وتولي الصين اهتماما كبيرا لأمن دول الخليج وتدعمها في ممارسة ضبط النفس.

ثانيا، العودة الفورية إلى الحوار والمفاوضات. ويتعين على جميع الأطراف تشجيع السلام ومنع الحرب بقوة، وحث الأطراف المعنية على العودة إلى مسار الحوار والتفاوض في أقرب وقت ممكن.

ثالثا، المعارضة المشتركة للأعمال الأحادية. الهجوم على دولة ذات سيادة دون تفويض من مجلس الأمن يقوض أساس السلام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. وينبغي على المجتمع الدولي إرسال رسائل واضحة ضد أي رجوع إلى قانون الغابة.

ولا تزال أصداء الانتقادات التي أعقبت اجتياح القوات الأميركية لفنزويلا واختطاف رئيسها حاضرة، حتى عادت واشنطن اليوم لاستخدام القوة ضد إيران. إن إصرار الولايات المتحدة على إخضاع الدول الأخرى عبر الوسائل العسكرية لا يشكل انتهاكاً صارخاً لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة فحسب، بل يمثل أيضاً انحرافاً خطيراً عن القواعد الأساسية للعلاقات الدولية. وقد أثبت التأريخ مراراً أن اللجوء إلى القوة لا يجلب أمناً حقيقياً، بل يخلق مزيداً من الصراعات والأحقاد، ويدفع منطقة الشرق الأوسط، الهشة أصلاً، نحو مصير غير قابل للتنبؤ.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه العملية العسكرية جاءت في وقت كانت فيه المفاوضات الأميركية-الإيرانية توصف بأنها تحقق “تقدماً جيداً”. وبينما كانت تلوح في الأفق بوادر حل سلمي للأزمة، اختارت الولايات المتحدة و “إسرائيل” الضغط على الزناد.

وكما قال نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف، فإن “جميع المفاوضات مع إيران كانت مجرد ستار دخاني، وهذا أمر لا شك فيه”. وفي المحصلة، لا يبدو أن واشنطن تريد إيران بلا سلاح نووي فحسب، بل إيران بلا سيادة. فالأمر لا يتعلق بـ”الأمن” بقدر ما يتعلق بالهيمنة.

إن رفع شعار “الأمن الذاتي” لتبرير التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة وفرض تغيير الأنظمة بالقوة، يعيد إلى الأذهان دروساً مريرة من تأريخ الشرق الأوسط. فكل تدخل عسكري قائم على الإيمان بالقوة لم يكن نهاية للمشكلة، بل بداية لكارثة أعمق. من حرب العراق إلى الأزمة الليبية والحرب الأهلية السورية، تتكرر المأساة ذاتها: قد تُدمَّر المدن بالقذائف، لكن السلام لا يُبنى بالمدافع. أما الوعود بـ”الديمقراطية” و”الحرية” و”الازدهار”، فقد انتهى بها المطاف إلى خراب ونزوح وتشظي مجتمعي.

إن وضع ما يسمى “الأمن المطلق” لدولة ما فوق سيادة الدول الأخرى وحقها في البقاء، ليس سوى إعادة للعالم إلى زمن “قانون الغابة” حيث يسود منطق القوة على منطق العدالة. وسيبرهن التأريخ مجدداً أن عقلية الهيمنة لا تجلب أمناً دائماً، وأن السياسات القائمة على الإفراط في استخدام القوة سترتد في نهاية المطاف على أصحابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى