مقترح حكومي يثير مخاوف تصاعد المديونية ويرهن القرار السيادي العراقي

اقتراض 50 مليار دولار من دول الخليج
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
أثار الحديث عن توجه حكومي للاقتراض من دول الخليج لتجاوز الأزمة المالية التي يمر بها العراق، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية، وسط تحذيرات من تداعيات هذه الخطوة على مستقبل الاقتصاد الوطني والقرار السيادي للبلاد.
ويواجه العراق ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة اعتماده شبه الكامل على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة، وهو ما كشفته بوضوح الأزمات الأخيرة التي أثرت على تدفقات النفط وأسعاره، لتعود معها الدعوات إلى ضرورة تنويع مصادر الدخل الوطني والابتعاد عن الاقتصاد الريعي الذي ظل مهيمناً على المشهد الاقتصادي لعقود طوال.
وفي هذا السياق، كشف رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي خلال حديثه أمام عدد من الإعلاميين عن توجه حكومي لطلب اقتراض نحو 50 مليار دولار من كل دولة خليجية، بهدف توفير السيولة المالية اللازمة لتغطية الالتزامات الحكومية وتأمين رواتب الموظفين ومعالجة العجز المالي، وذلك لوجود مليار دولار فقط في خزينة الدولة، حسب قوله.
وأثار هذا الطرح تساؤلات واسعة بين المختصين بشأن جدوى اللجوء إلى الاقتراض الخارجي بهذا الحجم، في وقت تؤكد فيه الأوساط الاقتصادية، أن معالجة الأزمة المالية تتطلب إصلاحات هيكلية حقيقية بدلاً من الاعتماد على الديون كحل مؤقت للأزمة.
ويرى خبراء، أن الاقتراض من دول الخليج قد يضع العراق أمام التزامات مالية وسياسية طويلة الأمد، خاصة أن الدول الدائنة غالباً ما تمتلك أدوات تأثير على السياسات الاقتصادية للدول المقترضة، الأمر الذي يثير مخاوف من زيادة حجم التأثير الخارجي على القرار العراقي مستقبلاً، كما هو معمول حالياً من قبل الجانب الأمريكي التي ترتهن السياسة النقدية للبلاد عبر البنك الفيدرالي .
كما يشير مختصون إلى أن أي توجه نحو الاقتراض ينبغي أن يتم وفق ضوابط قانونية واقتصادية واضحة، وبعد إعداد دراسات شاملة تحدد آليات السداد والنتائج المتوقعة، خصوصاً أن العراق لا يزال يتحمل أعباء ديون النظام السابق الذي استنزف جزءاً مهماً من موارده المالية.
من جانبه، أكد عضو مجلس النواب غالب محمد في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن أي مشروع للاقتراض الخارجي يجب أن يمر عبر مجلس النواب، بوصفه الجهة المخولة بالمصادقة على مثل هذه القرارات التي تمس مستقبل الاقتصاد العراقي والأجيال القادمة.
وأوضح، أن” العراق دفع على مدى سنوات طوال كلفة الديون المتراكمة من مراحل سابقة، ما يستدعي التعامل بحذر شديد مع أي توجه جديد نحو الاستدانة، مشدداً على أهمية إخضاع هذا الملف للدراسة من قبل اللجان المختصة قبل اتخاذ أي قرار بشأنه”.
وأضاف، أن “استكمال عمل اللجنة المالية النيابية بات ضرورة ملحة لمتابعة القرارات الاقتصادية والمالية الصادرة عن الحكومة، وضمان انسجامها مع المصلحة الوطنية العليا”.
وفي مقابل خيار الاقتراض، يجدد المختصون بالشأن المالي دعوتهم إلى تبني خطط استراتيجية لتنشيط القطاعات الزراعية والصناعية والاستثمارية، وتوفير الدعم اللازم للقطاع الخاص، بما يسهم في خلق موارد مالية مستدامة وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد لتمويل الموازنة العامة.
ويؤكد المختصون، أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الانتقال من الحلول المؤقتة إلى الإصلاحات الاقتصادية الجذرية، التي يمكن أن تضع العراق على مسار اقتصادي أكثر استقراراً وأقل ارتباطاً بالديون وتقلبات أسواق الطاقة العالم.
وخلال السنوات الماضية، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لسد العجز المالي، بالتزامن مع استمرار الدعوات إلى تنويع الاقتصاد وتفعيل القطاعات الإنتاجية، إلا أن الاعتماد على النفط بقي السمة الأبرز للاقتصاد العراقي، الأمر الذي أعاد ملف الاستدانة إلى الواجهة مع تصاعد المخاوف من اتساع الأزمة المالية الحالية.



