الشقيف أنموذجًا.. أزمة القوة “الإسرائيلية” بين الإنجاز الموضعي والعجز البنيوي

بقلم: محمد الأيوبي ..
في الحروب، كثيرًا ما تحاول الجيوش تحويل الإنجازات الموضعية إلى انتصارات استراتيجية، خصوصًا عندما تعجز عن تحقيق الأهداف الكبرى التي أعلنتها في بداية المعركة. من هذا المنطلق يمكن فهم الاحتفاء “الإسرائيلي” الواسع بوصول قوة من جيش الاحتلال إلى قلعة الشقيف، ومحاولة تصوير الحدث على أنه إنجاز استثنائي يعبّر عن تفوق عسكري وحسم ميداني.
يحاول بنيامين نتنياهو، منذ بداية المواجهة، المبالغة في أي إنجاز عملياتي لتقديمه أمام المجتمع “الإسرائيلي” باعتباره سقف ما يمكن تحقيقه عسكريًا. فالرجل الذي يواجه ضغوطًا سياسية وأمنية متزايدة يحتاج باستمرار إلى صور انتصار تعوض غياب النتائج الحاسمة، ولذلك تحولت الشقيف إلى مادة دعائية أكثر منها محطة استراتيجية فاصلة.
بين الرمزية والواقع
لا يمكن إنكار أن لقلعة الشقيف مكانة خاصة في الذاكرة “الإسرائيلية”. فمنذ اجتياح لبنان عام 1982 ارتبط اسمها بإحدى أكثر المعارك إحراجًا لـ”الجيش الإسرائيلي”، بعدما تمكن عشرات المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب من الصمود بوجه قوة عسكرية ضخمة تمتلك تفوقًا ناريًا هائلًا.
هذه العقدة التأريخية تفسر جانبًا من الاهتمام “الإسرائيلي” الحالي بالقلعة. فالمسألة لا تتعلق فقط بموقع جغرافي مشرف على مناطق واسعة من الجنوب، بل أيضًا بمحاولة استعادة صورة رمزية ظلت عالقة في الوعي “الإسرائيلي” لعقود. ولذلك فإن رفع العلم “الإسرائيلي” فوق القلعة يحمل بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية بُعدًا نفسيًا ومعنويًا أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا.
ماذا احتلت “إسرائيل” فعليًا؟
بعيدًا عن الروايات الدعائية، فإن السؤال الأهم هو: ماذا احتلت “إسرائيل” فعليًا؟
القلعة اليوم ليست موقعًا عسكريًا للمقاومة، وليست قاعدة عملياتية تحتوي على مقاتلين أو منظومات قتالية أو غرف قيادة. إنها معلم أثري وتأريخي وطني يخضع لإشراف مديرية الآثار اللبنانية، ويحمل صفة الحماية الثقافية المعززة بموجب الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث الإنساني.
بمعنى آخر، فإن الاحتلال لم يقتحم حصنًا مقاومًا أو موقعًا عسكريًا حيويًا كما يحاول البعض تصويره، بل وصل إلى معلم تأريخي يحمل قيمة رمزية كبيرة. وهذا ما يجعل الفارق شاسعًا بين القيمة الدعائية للحدث وبين نتائجه العسكرية الفعلية على أرض الميدان.
تغير طبيعة الحروب
في ثمانينيات القرن الماضي كانت السيطرة على المرتفعات والقلاع والمواقع المشرفة تمنح أفضلية عسكرية كبيرة. أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الحروب بصورة جذرية.
الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع الحديثة والذكاء الاصطناعي جعلت السيطرة الجغرافية عاملًا أقل أهمية مما كانت عليه سابقًا. لم يعد الموقع المرتفع وحده قادرًا على حسم المعركة أو تغيير ميزان القوى، لأن القدرة على الرصد والاستهداف أصبحت متاحة من مسافات بعيدة ودون الحاجة إلى التمركز المباشر.
معضلة القلعة المكشوفة
تكمُنُ المشكلة الحقيقية في أن الشقيف ليست موقعًا مثاليًا للتمركز العسكري الطويل. فالقلعة مكشوفة من مختلف الجهات، ومساحتها محدودة، ولا توفر إمكانيات واسعة للاختباء أو المناورة أو إنشاء تحصينات معقدة.
إضافة إلى ذلك، فإن طريق الإمداد المؤدي إليها مكشوف ووعر، ما يجعل حماية القوات الموجودة فيها وتأمين احتياجاتها اليومية مهمة شديدة التعقيد. وفي العلوم العسكرية، غالبًا ما تكون حماية خطوط الإمداد أصعب من عملية الوصول إلى الموقع نفسه.
حرب المسيّرات والاستنزاف
أحد أبرز التحولات التي فرضتها الحرب الحالية يتمثل في الدور المتعاظم للطائرات المسيّرة. فهذه الوسائل لم تعد مجرد أدوات استطلاع، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلات الردع والاستنزاف.
في بيئة قتالية كهذه، لا تحتاج المسيّرات إلى تدمير القلعة نفسها كي تحقق أهدافها. يكفي استهداف معدات الرصد أو أجهزة الاتصال أو العناصر الموجودة داخل الموقع لتحويله إلى عبء عملياتي على القوة التي تتمركز فيه. وقد أظهرت تجارب الأشهر الماضية أن المواقع المحصنة نسبيًا تعرضت للاستهداف رغم إجراءات الحماية والتمويه، ما يجعل موقعًا مكشوفًا كالشقيف أكثر عرضة للضغط والاستنزاف المستمرين.
وإذا كان الاحتلال يسعى إلى تقديم وصوله إلى الشقيف بوصفه إنجازًا عسكريًا، فإن الوقائع الميدانية التي تلت هذا الوصول مباشرة تكشف صورة مختلفة تمامًا. ففي اليوم الذي أعقب التسلل إلى محيط القلعة، تحولت المنطقة نفسها إلى واحدة من أكثر ساحات الاشتباك استهدافًا، حيث استحوذت على حصة كبيرة من العمليات المعلنة للمقاومة. فمن أصل إحدى وعشرين عملية نُفذت خلال يوم واحد، سُجلت ست عمليات مباشرة في محيط قلعة الشقيف استهدفت آليات عسكرية ووسائل تشويش ورادارات وقوات متموضعة في المنطقة بواسطة محلّقات انقضاضية دقيقة.
الإنجاز الإعلامي وحدود الإنجاز العسكري
اللافت أن “إسرائيل” احتاجت إلى قوة كبيرة تضم فرقًا وألوية نخبوية وقدرات تكنولوجية متطورة للوصول إلى منطقة تبعد بضعة كيلومترات فقط عن الحدود. وهذه الحقيقة وحدها تطرح تساؤلات حول حجم الإنجاز مقارنة بالموارد والوقت والجهد الذي استُهلك لتحقيقه.
الأهم من ذلك أن الهدف الرئيس الذي أعلنته “إسرائيل” للحرب لم يكن الوصول إلى الشقيف، بل توفير الأمن للمستوطنات الشمالية وإبعاد التهديد عنها. وحتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على تحقق هذا الهدف، بل إن معادلة الاستنزاف ما زالت مستمرة، فيما تتواصل التحديات الأمنية على امتداد الجبهة.
شبح عام 2000
ما يثير القلق الحقيقي لدى المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” ليس الوصول إلى الشقيف، بل ما بعد الوصول. فالتأريخ القريب لا يزال حاضرًا بقوة في هذه المنطقة.
قبل ربع قرن كانت “إسرائيل” تسيطر على مواقع أكثر أهمية من الشقيف، وتمتلك انتشارًا عسكريًا أوسع بكثير مما تمتلكه اليوم. ومع ذلك انتهى الأمر بانسحاب كامل من الجنوب اللبناني عندما أصبحت كلفة البقاء أعلى من قدرة الاحتلال على تحملها.
لهذا السبب لا يتعلق السؤال اليوم بمن رفع العلم فوق القلعة، بل بمن يستطيع الحفاظ عليه. فالتجربة أثبتت أن الصور قد تمنح انتصارًا إعلاميًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع نصرًا استراتيجيًا دائمًا.
في النهاية، قد تكون الشقيف منحت نتنياهو صورة يحتاجها في هذه المرحلة الصعبة، لكنها لم تمنحه ما هو أهم: القدرة على الادعاء بأن أهداف الحرب قد تحققت. ولهذا تبدو القلعة اليوم كما كانت دائمًا؛ موقعًا يحمل رمزية كبيرة، لكنه يذكر الاحتلال في الوقت نفسه بأن الوصول إلى الأرض ليس هو المشكلة، بل البقاء فيها. وهكذا عاد الاحتلال إلى الشقيف، لكنه لم يغادر منها شبح الهزيمة الذي ما زال يسكن ذاكرة المكان منذ عقود.



