اخر الأخبارثقافية

“سيبار مدينة بلا طيور”.. الضياع والغربة النفسية بسبب تعسّف النظام المباد

المراقب العراقي/ د. عبد الكريم المصطفاوي..

الكثير من الروايات يمكن تصنيفها وإحالتها بسهولة، لكن بعضها الآخر يصعب تصنيفه وإحالته، أو بصورة أدقّ، يكون الاتّفاق على الإحالة هو الأمر الصعب، و(سيبار مدينة بلا طيور) للروائي علي الحديثي من هذا النوع، فهي تجمع بين روايات السير الذاتية والروايات الفلسفية، ولو أردنا استخدام ذات المنهج الذي استخدمه الكاتب في السرد، باستخدام أسلوب النقاش والحوار لشخصياته، والمبني على استدعاء ما يعزّز به حججهم وادّعاءاتهم، فإنّنا ربّما سنجد أنفسنا أمام رواية من روايات تيّار الوعي التي تُعرَف بأنّها نوع من القصص التي يركّز فيها الكاتب على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات.

ان جميع شخصيات الرواية تعيش حالة من الضياع والغربة النفسية، بسبب تعسّف السلطات، وسطوة الأفكار المتخلّفة والرجعية، التي تبيح قتل الآخر لمعارضته أفكار ومتبنّيات السلطتين سالفتَي الذكر.

البطولة جماعية، مع أنّنا نجد أنّ سادر كان الأبرز الذي عانى ويعاني من ظلم وقيود السلطتين، سلطة الحكومة وسلطة المتزمّتين والمتطرّفين.

ينتقل القصّ في (سيبار مدينة بلا طيور) من الواقع إلى الحلم، ومن ثَمّ يعود إلى الواقع، وهكذا تختلط الحقيقة بالحلم، سواءً في الحوارات أو في القراءة والتأويل.

إنّ أيّ حدث لإحدى شخصيات الرواية لن يكون مؤثّرًا وفاعلًا مهما كبر، بقدر الحدث الأكبر الذي كان يشغل بال الكاتب، وهو تلك الفجوة بين الناس والتي تجعل بعضهم يكره ويحقد على الآخر لا لسبب سوى أنّه لا يؤمن بأفكاره المتصلّبة أو معتقداته المتحجّرة وعبّر عنها الكاتب على لسان سامية عندما قالت: “إن مشكلة الناس رؤوسهم مغلقة، لا أبواب لها”، لذا فالحدث الأهم هو معاناة الجميع واشتراكهم في الألم والغربة.

لا يمكن لأيّة رواية أو قصة قصيرة أن تكون مكتملة الأركان، ومقنعة في أحداثها ما لم تستطع توظيف الحوادث التأريخية والاجتماعية بطريقة إبداعية عن طريق السرد، أو من خلال الحوارات، لتصبح جزءًا من جسدها، وإن تفحصنا سيبار جيدًا لوجدنا أنّ الكاتب قد نجح في ذلك، ففي ص١٠ يحيلنا على لسان البطل إلى ذلك الموت الذي أحاط بالشباب خلال مدة حكم النظام المباد ؛ (كلما اقتربت من “المنتزه” انزوت روحي أكثر في عزلتها عن الآخرين أراها تبتسم لي، تفتح لي ذراعيها لتضمّني، كأنّها يتيم لاح له وجه أمه بين الوجوه الغريبة، أصغي لحفيف الشجر الذي تعرّى منذ سنوات، وقد ارتسمت البشاشة على ذرّات ترابها وهي تعانق خطواتي، أمواج النهر الصغير الذي جفّ مع تعري الشجر تتسابق نحوي..)، ثمّ يستمر يسرد المأساة التي كان يعيشها أطفال مدينته والبلد بصورة عامة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم في وجود ملاعب متواضعة يمارسون فيها هواياتهم وألعابهم؛ في مشهد استذكاره لصديقه صلاح الذي أصبح مصيره مثل مصير أغلب الشباب حطبًا ووقودًا لحرب خاسرة، وها هو يحاول أن يفرغ جزءًا من انفعالاتها عندما يبثّها، فتخرج مثل لهب ساخن (أما زلت يا صلاح تذكر تلك العظام التي كانت تتناثر من تحت تراب المنتزه ولا نبالي بها، حتى إذا ما كبرنا عرفنا أنّهم يدفنون الأطفال فيها، حينها ضحكنا.. مقبرة الأطفال هي نفسها ملعب ومتعة الأطفال في العيد.. لقد صرت عظاما مثلهم اليوم يا صلاح.. ولكنّك لم تكن طفلًا.. لقد كبرت.. وفهمت أنّ الحياة لا تستحق أن نتعب لها فتركتها جانبًا.. فأخذت تتمتع بملذّاتها.. وكشفت عورة الحياة، ربما هي خطة الموت فينا).

تميزت لغة الرواية باستخدام الألفاظ والتعبيرات البسيطة غير المركّبة والمعقدة، والتي لا تميل الى استخدام الأساليب البلاغية والتراكيب النحوية من قبيل المجاز والتشبيه، وكان الكاتب موفّقًا في ذلك.

لقد قدّم علي الحديثي “رواية جدلية” من خلال القفز على تقنيات الكتابة الروائية أو الامتثال إلى قوانينها التقليدية، وقد كان واعيًا تمامًا لما سرد، فالتعالق بين الاستهلال وبين الخاتمة المفتوحة، تعطي فكرة واضحة أنّها رواية مختلفة، اقتحمت عوالم تتحكّم بالعقلية وطريقة التفكير، والتعامل مع الآخر المختلف بالنسبة لهم، وأراه قد نجح نجاحًا بيّنًا، وكان شاهدًا محايدًا ومنصفًا، أراد أن يسوق لشخصية سادر باعتبارها الحلّ والملجأ الوحيد للخروج من الخلاف والتشرذم، والانصهار في فكرٍ لا مجال فيه للتفرق والتباعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى