اراء

العدوان الأمريكي على إيران.. جدلية الشرعية والاستقطاب

بقلم: حسام حمزة..

حين تطرح نيويورك تايمز في افتتاحيتها يوم الـ28 من شباط، سؤالاً من قبيل: “لماذا أشعلت هذه الحرب يا سيادة الرئيس؟”، فإن الأمر يتجاوز مساحة النقد الظرفي لقرار العدوان على إيران، ليطال بنية القرار الاستراتيجي في الولايات المتحدة برمّتها، ذلك أنّ سؤالاً كهذا، في سياق إدارة مثل إدارة دونالد ترامب، يبعث جدلاً لم يحسم بعد داخل الولايات المتحدة حول الشرعية الدستورية لإعلان الحرب، وحول كلفة انخراطها العسكري، وحول العلاقة الدقيقة بين الحسابات الانتخابية ومتطلبات السياسة الخارجية.

جدلية صلاحيات الحرب بين الكونغرس والرئاسة في النظام الدستوري الأمريكي

دستورياً، يشكّل توزيع الصلاحيات في النظام الأمريكي، منصّة ارتكاز أولية لفهم بواعث هذا الجدل؛ إذ ينصّ دستور 1787 على أنّ الكونغرس هو من يملك سلطة إعلان الحرب، وهو ما طبق 11 مرة فقط منذ إقرار الدستور الأمريكي، كان آخرها عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية، في حين يُعدّ الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ضمن هذا التصوّر، يصبح سؤال نيويورك تايمز سؤالاً مؤسّسياً قبل كل شيء: هل جرى احترام مقتضيات قانون 1973؟ وهل حظي القرار العسكري بتفويض تشريعي واضح؟ أم جرى الاكتفاء بإخطار لاحق يكرّس أسبقية السلطة التنفيذية؟ ومن المؤكد، أن الجدل الذي ستثيره هذه الأسئلة يتصل بجوهر التوازن بين السلطات الذي مسّ بقرار ترامب، وبحدود الدور الرئاسي في إدارة الأزمات الدولية.

الكُلف الداخلية للحرب.. ندوب في الذاكرة الأمريكية

أما من زاوية الكلفة الداخلية، فإن مساءلة نيويورك تايمز لقرار العدوان الأمريكي على إيران هي استدعاء موارب لتجارب حديثة لا تزال ندوبها حاضرة في الوعي العام الأمريكي.

فغزو العراق في 20 آذار 2003، قاد إلى حرب طويلة لم تتوقف رسمياً إلا في 18 كانون الاول 2011 كلفت الخزانة الأمريكية ما بين 2 و3 تريليونات دولار وفق الدراسة الشهيرة لجامعة براون “تكاليف الحرب”، ناهيك عن مقتل 4431 جندياً أمريكياً وإصابة 31994 آخرين.

كما أن الانسحاب من أفغانستان في 30 آب 2021 الذي أغلق فصلاً استمر 30 عاماً كلف أمريكا 2.3 تريليون دولار وأودى بحياة أكثر من 2000 من جنودها، هو من الأحداث التي تستذكر حين يعاد إلى الواجهة سؤال جدوى الحروب الممتدة، وحدود القدرة الأمريكية على إعادة تشكيل البيئات السياسية بالقوة العسكرية.

في ضوء هذه الذاكرة الجمعية المثقلة بمآسي الماضي، من المؤكد، أن قرار الحرب على إيران سيُستقبل باعتباره تهديداً مباشراً لتوازنات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الولايات المتحدة، لما ينطوي عليه من احتمالات اضطراب فوري في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره قرابة 21 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يقارب خمس التجارة النفطية العالمية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لعام 2023. ولا يقتصر الأمر على مخاطر تعثّر الإمدادات، وإنما يمتدّ إلى توقع ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلب الأسواق المالية، وتضخم الإنفاق الدفاعي على حساب أولويات داخلية محورية كالبنية التحتية والرعاية الصحية، وهي مجالات تؤثر بصورة حاسمة في تماسك النسق الداخلي الأمريكي واستدامة استقراره.

ما وراء سؤال نيويورك تايمز؟

في هذا السياق، يصبح سؤال نيويورك تايمز تعبيراً عن قلق أعمق واستثارة لأسئلة حرجة: هل يخدم التصعيد العسكري مصلحة استراتيجية بعيدة المدى، أم يندرج ضمن إدارة ظرفية للأزمة؟ وهل ينسجم مع الوعود الانتخابية، أم يعيد إنتاج نمط من الانخراط الذي سعت قطاعات واسعة من الناخبين إلى تجاوزه؟ وهل هو مجرد هروب نحو الأمام لصرف الأنظار عن فضائح إبستين التي تلاحق ترامب أم هو انصياع لرغبة “إسرائيل” التي باتت تقرر سياسة الولايات المتحدة الخارجية أكثر من المواطنين الأمريكيين أنفسهم؟.

إنّ دور الإعلام في هذه اللحظة يتجاوز نقل الخبر إلى تأطير النقاش العام، فعندما تكتب صحيفة ذات تأثير واسع، مقالاً افتتاحياً بصيغة استفهامية موجهاً إلى الرئيس، فإنها تسهم في صياغة أجندة المساءلة وتعيد توجيه النقاش نحو الأسس القانونية والاقتصادية والسياسية للقرار.

في المحصلة، فإن سؤال “لماذا أشعلت الحرب؟” لا ينفصل عن بنية النظام السياسي الأمريكي. إنه إثارة أخرى للجدل القائم حول مدى احترام التوازن بين السلطات من جهة، ولفت لانتباه الرأي العام الأمريكي إلى مسألة قدرة المجتمع الأمريكي على تحمّل أعباء حروب لا تخدم سوى مصالح لوبيات معروفة لديه وكان يمكن تجنبها بالدبلوماسية لو أنّ المحرك الأساسي للقرار الأمريكي كان مصلحة شعبها لا مخططات التفوق والهيمنة الإقليمية التي تجريها “إسرائيل” وتجر الولايات المتحدة لتنفذها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى