الخزان المفتوح.. مخيمات ما بعد السقوط وتهديد الاستقرار الإقليمي

بقلم: إلهامي المليجي..
في إحدى زوايا مخيم الهول، كانت طفلة ترسم شجرة تتوسّطها شمس صفراء كبيرة. على بُعد أمتار، كانت امرأة تُلقّن طفلها نشيداً عن “الخلافة” وتحدّثه عن “أشبال الدولة”. لم يكن المشهدان متجاورين فحسب؛ كانا تجسيدًا لمعركة لم تُحسم: معركة على الوعي، وعلى الجيل القادم، وعلى معنى الهزيمة ذاتها.
زرتُ مخيم عين عيسى قبل أن ينفلت بعض قاطنيه عقب القصف التركي عام 2019، ثم عدتُ إلى الهول وروج. لم أرَ كتلة بشرية متجانسة، كما يُختزل الأمر أحيانًا، بل رأيت طيفًا مركبًا: نساء ما زلن على يقين أيديولوجي صلب، وأخريات دُفعن إلى زواج انتهى بهن داخل تنظيم لم يخترنه فكريًا. وبين الطرفين يقف آلاف الأطفال، وهم -بلا مبالغة- السؤال الأخطر والأكثر إلحاحًا.
مجتمعان مغلقان.. وسلطة داخل السلطة
الهول وروج ليسا مجرد فضاءَي احتجاز، بل هما بنيتان اجتماعيتان مغلقتان، لهما اقتصاد ظل، وشبكات نفوذ، وسلطة عقائدية غير معلنة.
في مخيم الهول، بحجمه الكبير وتعدد جنسياته، تبدو الظاهرة أكثر كثافة: مجموعات تمارس “حسبة” داخلية، تُحرق خيم من تتبرأ من الفكر المتشدد، تُضرب نساء، ويُوصم أطفال بأنهم “أبناء المرتدات“.
أما في مخيم روج، الأصغر حجمًا والأشد ضبطًا أمنيًا، فتظهر الظاهرة في جيوب أقل صخبًا، لكنها قائمة.
هذه ليست مبالغات خطابية، بل وقائع وثقتها تقارير دولية وشهادات ميدانية متقاطعة. في المقابل، ثمة نساء أعلنّ قطيعة صريحة مع التنظيم، وبدأن يُعلّمن أطفالهن الرسم والموسيقى، في محاولة لانتشالهم من بيئة الكراهية. هؤلاء يدفعن ثمن التراجع مضاعفًا، لأن الانفكاك عن الأيديولوجيا – في منطق التيار المتشدد – خيانة تستحق العقاب.
خيوط تتجاوز الأسلاك
المخيم ليس ساكنًا. بعض النساء المتشددات حافظن على قنوات اتصال خارجية عبر تطبيقات مشفّرة وخطوط هاتف غير نظامية. كانت هناك زيجات افتراضية، وتحويلات مالية بطرق التفافية أبقت السردية حيّة وأبقت شعور “المعركة المؤجلة” قائمًا.
امتدت بعض هذه الخيوط إلى إدلب، التي حكمتها هيأة تحرير الشام لسنوات، قبل أن يتحول نفوذها -بعد سقوط الدولة السورية- من هيمنة موضعية إلى سلطة ممتدة تحكم من دمشق.
وحين تتصل الخيوط الداخلية بشبكات خارجية، يتغير تعريف الملف: لم يعد شأن مخيمٍ معزول، بل شأن دولة قيد التشكّل.
من ملف أمني إلى اختبار سيادي
سوريا لم تسقط سياسيًا فقط؛ انهارت بنيتها المركزية. والفراغ لم يُملأ بدولة جامعة، بل بسلطة أمر واقع تمددت حتى صارت سلطة حاكمة من العاصمة.
في هذا السياق، لم تعد المخيمات عبئًا إنسانيًا يمكن تأجيله. إنها اختبار مبكر للشرعية الجديدة: من يملك قرار الحسم؟ من يتحمل كلفة المواجهة القضائية؟ ومن يجرؤ على تفكيك الملف بدل إدارته؟
التأجيل لم يعد حيادًا؛ أصبح خيارًا سياسيًا له كلفة تراكمية.
التنافس الإقليمي.. وإدارة الأزمة بدل حلّها
تركيا ترى في ملف المقاتلين الأجانب ورقة ضغط على أوروبا، وأداة مساومة في توازناتها مع الإدارة الذاتية. بعض العواصم الإقليمية تخشى ارتداد موجة جهادية جديدة في لحظة إعادة التموضع السوري. أما الولايات المتحدة، التي لا يزال وجودها العسكري مرتبطًا كما تدعي بملف مكافحة داعش، فتمسك بالمفتاح الأمني دون أن تفتح الباب القانوني للحل.
هكذا تتحول المخيمات إلى عقدة جيوسياسية: الجميع يدير الأزمة.. ولا يحسمها أحد.
لحظة التحول.. من خطر كامن إلى حركة مفتوحة
الهجوم الأخير الذي طال مخيم الهول ضمن عملية عسكرية واسعة أفضى إلى انهيار أمني وفرار نسبة معتبرة من القاطنين، دون إعلان شفاف عن مصيرهم أو وجهتهم.
هنا تغيّر توصيف الملف جذريًا. لم نعد أمام بيئة احتجاز قابلة للضبط النسبي، بل أمام حركة بشرية غير محسومة الاتجاه، في لحظة انتقال سياسي هشّة.
حين يخرج آلاف من بيئة متشددة -بينهم من حافظ على ولائه وشبكاته- من فضاء مغلق إلى جغرافيا يعاد رسمها بالقوة، فإن المسألة لا تعود إنسانية أو أمنية فقط، بل تصبح مسألة استقرار إقليمي.
من الموصل إلى الرقة.. درس لا يحتمل الإهمال
لم يكن تنظيم داعش الإرهابي ظاهرة محلية مغلقة. بدأ في بيئة سورية مضطربة، ثم تمدد إلى العراق، واتخذ من الرقة السورية عاصمة فعلية، قبل أن تمتد أصداؤه إلى لبنان، ويبقى الأردن في دائرة استنفار دائم.
الدرس ليس أن التأريخ سيكرر نفسه حرفيًا، بل أن البيئات غير المحسومة، حين تتقاطع مع فراغ سياسي وتصدعات أمنية، تنتج امتدادات تتجاوز الحدود.
ومخيمات ما بعد السقوط -بما تحمله من عناصر لم تُحسم قضائيًا، وأطفال يتشكل وعيهم في فراغ، وحركة فرار لم تُعلن خرائطها- تضع دول الجوار أمام احتمال تسرب تدريجي لا يحتاج إلى إعلان راية ولا إلى السيطرة على مدينة. يكفي أن تتحول الخلايا إلى شبكات متنقلة، وأن يتحول الخزان البشري إلى روافد متفرقة.
وهنا يعود السؤال إلى الداخل: ماذا فعلت الدولة الجديدة لمنع هذا التحول؟



