هل اقتربت لحظة المواجهة؟.. سيناريوهات الغزو الأمريكي لإيران بين الواقع والتهويل

بقلم/ أ.د. أحمد القطامين..
مع كل موجة توتر جديدة في الشرق الأوسط، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل يمكن أن تقدم الولايات المتحدة على غزو إيران؟ وبين التصريحات النارية، والتحركات العسكرية، والتغطيات الإعلامية المكثفة، يتضخم القلق الشعبي، بينما تبقى الإجابة الحاسمة رهينة حسابات معقدة تتجاوز العناوين العريضة.
من الناحية العسكرية، لا يشبه المشهد الإيراني تجارب سابقة خاضتها واشنطن. فإيران دولة مترامية الأطراف، ذات تضاريس صعبة، وعدد سكان كبير، وبنية عسكرية تعتمد على مزيج من القوات التقليدية والقدرات المتقدمة. أي عملية غزو بري واسع ستكون مكلفة بشريًا وماديًا، وقد تمتد لسنوات دون ضمان حسم سريع. هذه المعطيات وحدها تجعل خيار الحرب الشاملة قرارًا بالغ الخطورة.
سياسيًا، تدرك الإدارة الأمريكية أن الرأي العام الامريكي بات أكثر تحفظًا تجاه الحروب الطويلة، خاصة بعد تجربتي العراق وأفغانستان، اللتين تركتا أثرًا عميقًا على المزاج الداخلي والاقتصاد. كما أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها؛ إذ تمتلك طهران شبكة تحالفات ونفوذًا إقليميًا يمكن أن يحوّل الصراع إلى حرب متعددة الجبهات.
إقليميًا، يشكل أمن الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، عامل ردع إضافي. فتعطّل حركة الطاقة سيؤثر مباشرة في الأسواق العالمية، ويرفع أسعار النفط، ويضع ضغوطًا على اقتصادات حليفة للولايات المتحدة قبل خصومها. لذلك تبدو كلفة التصعيد الاقتصادي والسياسي موازية، إن لم تكن أعلى، من كلفة العمليات العسكرية ذاتها.
مع ذلك، لا يعني استبعاد الغزو الشامل غياب احتمالات التصعيد. فالعلاقات بين إيران وأمريكا تتسم منذ عقود بنمط من “حرب الظل”: عقوبات اقتصادية، هجمات سيبرانية، ضربات محدودة، ورسائل ردع متبادلة.
في هذا السياق، يبقى خطر الانزلاق قائمًا، خاصة إذا وقع هجوم مباشر كبير يستهدف قوات أمريكية أو حلفاء رئيسيين في المنطقة، أو إذا خرجت المواجهات غير المباشرة عن السيطرة.
تأريخ الأزمات الدولية يبين أن الحروب لا تبدأ دائمًا بقرار معلن، بل قد تنشأ من تراكمات وسوء تقدير متبادل. ولهذا، تلعب قنوات الاتصال غير المباشرة، والوساطات الإقليمية، والدبلوماسية الخلفية دورًا حاسمًا في احتواء التوتر. فحتى في أشد لحظات التصعيد، غالبًا ما تستمر الرسائل المتبادلة عبر وسطاء لتجنب تجاوز “الخطوط الحُمْرَ.
في المحصلة، يبدو سيناريو الغزو الأمريكي لإيران احتمالًا ضعيفًا في الظروف الراهنة، لكنه ليس مستحيلًا في عالم تتغير معادلاته بسرعة. بين منطق الردع وحسابات المصالح، تبقى المنطقة معلقة بين التصعيد المدروس والانفجار غير المقصود. والسؤال الأهم ربما لا يكون: هل تندلع الحرب؟ بل: هل تستطيع الأطراف إدارة التوتر دون أن تسقط في فخ المواجهة المفتوحة.



