لماذا خسر الأمريكيون معركة “القوة الناعمة” في العالم العربي؟

بقلم: ليلى نقولا..
تكشف استطلاعات الرأي العامّ العربي أنّ تقييم السياسات الأمريكية في المنطقة يبدو سلبياً بشكل كبير؛ فقد أفاد تقرير “المؤشّر العربي” الحديث بأنّ 72% من إجمالي المستجيبين اعتبروا أنّ السياسات الأمريكية هي “سلبية” أو “سلبية إلى حدّ ما”، مقابل 16% أفادوا بأنها “إيجابية” أو “إيجابية إلى حدّ ما“.
وحين يأتي السؤال إلى فلسطين، يجمع ما يقرب من 76% من العرب على وصف السياسات الأميركية نحو فلسطين بأنها “سيئة” إلى “سيئة جداً“.
مفهوم القوة الناعمة
صاغ جوزيف ناي مفهوم “القوة الناعمة” للإشارة إلى القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجذب بدلاً من الإكراه أو دفع الأموال.
وتعرّف القوة الناعمة، بحسب جوزيف ناي، بأنها “قدرة دولة معيّنة على التأثير في دول أخرى وتوجيه خياراتها العامّة، وذلك استناداً إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها، بدلاً من الاعتماد على الإكراه أو التهديد“.
تقوم القوة الناعمة على ثلاثة مصادر:
أ- الثقافة: أي القيم والممارسات التي تضفي معنى ما على أيّ مجتمع، وتتجسّد في اللغة والأدب والفن والإعلام وغيرها.
ب- القيم السياسية: مثل حرية الصحافة، وقدرة الفرد على انتقاد حكومته، وحرية التعبير إلخ.
ج- السياسات الخارجية: وهي مكوّن هامّ من مكوّنات “القوة الناعمة”، فاتباع سياسات خارجية مصمّمة بشكل جيد ومُغرٍ، سيدفع الدول الأخرى إلى أن تحذو حذو الدولة التي تستخدم القوة الناعمة.
لكنّ الأهمّ من العناصر السابقة كلّها، وفقاً لـ”ناي”، هو المصداقيّة والشرعيّة، فإذا كانت الثقافة والقيم السياسية والسياسات الخارجية متناقضة مع القيم المقبولة عالمياً، قد يؤدّي ذلك إلى “النفور”، خاصة إذا كان هناك تناقض بين ما تقوله الدولة وما تفعله. لكن عندما يكون نظام دولة ما مرغوباً وشرعيّاً بالنسبة للآخرين، فهي تستطيع أن تحقّق أهدافها.
الأرقام كمؤشّر سلبي
بالنظر إلى المؤشّرات الإحصائية في التقارير المتعدّدة، يمكن تحديد الأسباب البنيوية التي أدّت إلى هذا التدهور في نظرة المواطن العربي. بلغت ذروة النظرة السيئة إلى الولايات المتحدة في المنطقة العربية، مع قرارات إدارة ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، واستمرّ هذا المسار حتى عام 2025 مع دعم الإدارة الأميركية (إدارة جو بايدن) للحرب الإسرائيلية على غزة.
بالنسبة للمواطن العربي، خسر الأميركيون المصداقيّة حين تحدّثوا عن “حقوق الإنسان” في أوكرانيا بينما قاموا بدعم وإمداد “إسرائيل” بالسلاح لسحق هذه الحقوق في غزة ولبنان.
كذلك خسرت الولايات المتحدة الأميركية قدرتها على الإقناع، بعدما مارست أدوات “القوة الصلبة” كالحروب العسكرية والعقوبات الاقتصادية، والدعم العسكري المطلق لـ”إسرائيل”، والضغوط السياسية على الدول لتأكيد التفوّق النوعي العسكري المطلق لـ”إسرائيل” ودفع العرب للتطبيع معها.
النتائج الاستراتيجية لخسارة القوة الناعمة
إنّ خسارة القوة الناعمة ليست مجرّد “أزمة صورة”، بل هي خسارة للأميركيين في معركتهم لإعادة التفوّق والهيمنة العالمية. لم يعد مفهوم الهيمنة في القرن الحادي والعشرين يعتمد فقط على القوة والقدرة على السيطرة، بل يجب أن يتوافق مع الرضا وقبول الآخرين بتلك الهيمنة.
بالنتيجة، إنّ هذا التراجع المستمرّ في صورة الولايات المتحدة الأميركية كقوة “خيّرة”، كما سوّق لها العديد من المنظّرين الأميركيين في التسعينيات من القرن الماضي، سوف يفتح الطريق لقوى مثل الصين وروسيا لمساحة أوسع من النفوذ؛ ليس بالضرورة لأنّ نموذجهما أكثر جاذبية، بل لأنّ المواطن العربي بات يبحث عن “تعدّدية قطبية” تكسر الانفراد الأميركي، والدور الذي سمح بالغطرسة الإسرائيلية وعمّق الجرح الفلسطيني بشكل كبير.



