اخر الأخبارثقافية

جماليات الذاكرة العضوية في منحوتات ميثم السنبسي

حين يتنفّس الخشب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..

ترى الناقدة أميرة ناجي، إن “تجربة النحات ميثم السنبسي في النحت على الخشب تمثل، مشروعًا متماسكًا قائمًا على وعي عميق بالمادة والتأريخ والإنسان”.

وقالت في قراءة خصّت بها “المراقب العراقي”: ان “هنري مور يقول، ان الخشب يحتفظ بذاكرته وكل ضربة عليه، إما أن توقظه أو تجرحه، وتعد هذه المقولة بياناً أخلاقياً لفعل النحت نفسه، فالخشب كائن حي سابق على العمل الفني يحمل في أليافه تأريخ نموه واتجاه الريح التي صاغته والماء الذي غذّاه والزمن الذي مرَّ عليه، ومن هنا يمكن الاقتراب من تجربة النحات ميثم السنبسي باعتبارها تجربة إنصات عميق لهذا الكائن العضوي، لا إخضاعًا له ولا تزيينًا لسطحه بل حوارًا متوازنًا بين اليد والذاكرة”.

وأضافت: أن “الخشب يُعد المادة المركزية في مشروع السنبسي النحتي ليس خيارًا تقنيًا وإنما تعد موقفًا جماليًا وفكريًا، فالخشب في أعماله لا يُعامل كمجرد وسيط يُشكَّل للوصول إلى هيأة مسبقة بل كعنصر فاعل يشارك في إنتاج الشكل عروق الخشب تفاوت كثافته تشققاته الطبيعية جميعها تتحول إلى عناصر دلالية تسهم في بناء العمل وتمنحه فرادته البصرية والتعبيرية”.

وتابعت: “تتجلى في منحوتاته الخشبية أجساد إنسانية مختزلة طويلة عمودية أقرب إلى الشواهد منها إلى التماثيل التقليدية لا ملامح واضحة ولا تفاصيل تشخيصية مباشرة بل حضور إنساني عام يوحي أكثر مما يصرّح هذا الاختزال لا يُفقر الشكل بل يحرره من السرد المباشر ويضعه في منطقة رمزية مفتوحة على التأويل الإنسان هنا ليس فردًا محددًا بل أثر ذاكرة حالة وجودية”.

وأوضحت: ان “الخشب مادة دافئة قابلة للتفاعل ولهذا يمنح هذه الأجساد بعدًا خاصًا بسطوح المنحوتات، رغم صقلها المدروس تحتفظ بشيء من خشونتها الأولى، وكأن الفنان يتعمّد الإبقاء على أثر اللمسة وعلى العلامة وعلى ما يدل أن العمل لم يُنتج في فراغ بل في تماس مباشر مع الجسد والزمن هذا الوعي المادي يجعل المنحوتة كائنًا نابضًا لا شكلًا مكتملًا مغلقًا”.

وبينت: “من الناحية الأسلوبية تنتمي تجربة ميثم السنبسي في النحت على الخشب إلى التعبيرية الاختزالية، حيث يُختصر الشكل إلى بنيته الجوهرية دون التفريط بشحنته الشعورية، وهو أسلوب يتطلب حساسية عالية تجاه التوازن بين الكتلة والفراغ وبين الامتداد العمودي والاستقرار القاعدي في كثير من أعماله نلمس هذا التوتر البنائي الذي يمنح العمل حضوره القوي دون افتعال”.

وواصلت: “كما يبرز في هذه التجربة وعي واضح بعلاقة المنحوتة بالفراغ المحيط بها، فالعمل لا يكتفي بحدوده المادية بل يمتد بصريًا إلى الفضاء الذي يشغله حيث تتفاعل الكتل مع الظلال وتُكمل الخطوط الصامتة ما لا تقوله المادة مباشرة هذه العلاقة بين المنحوتة ومحيطها تضيف بعدًا تأمليًا يجعل المتلقي شريكًا في استكمال المعنى”.

ولفت الى انه “لا يمكن قراءة هذه التجربة بمعزل عن الموروث الحضاري، فالإنسان الواقف الصامت المتجه نحو الأعلى يستدعي في الذاكرة تماثيل العبادة القديمة والأعمدة الرمزية وشواهد الطقوس الأولى، غير أن السنبسي لا يستعيد هذا الموروث كنموذج جاهز بل كطاقة كامنة يعيد تفكيكها وصياغتها بلغة معاصرة تتجاوز النقل إلى الحوار”.

وأشار إلى أن “اللافت في أعماله الخشبية حضور الجماعة أجساد متجاورة متلاصقة أحيانًا لكنها غير مندمجة بالكامل، لكل شكل استقلاله النسبي رغم انتمائه إلى الكل هذا التكوين الجماعي لا يخلو من بعد اجتماعي وفلسفي يعكس علاقة الإنسان بالآخر وبالمصير المشترك، الخشب هنا يصبح وسيطًا للتعبير عن هذه العلاقة بما يحمله من دلالات الحياة والاستمرار، وتكشف هذه الجماعات الصامتة عن توتر داخلي بين الفردي والجماعي بين الرغبة في التمايز والحاجة إلى الانتماء وهي ثنائية طالما شغلت الفن الإنساني عبر العصور ويعالجها السنبسي بلغة هادئة بعيدة عن الخطابة، معتمدًا على قوة الشكل وحده”.

وأكملت: “أما اشتغاله على الحجر والمواد الأخرى، فيمكن النظر إليه كامتداد لتجربته الخشبية، حيث تُنقل ذات الرؤية الاختزالية إلى مواد مختلفة دون أن تفقد جوهرها، غير أن الخشب يظل مادته الأقرب إلى لغته التعبيرية لما يتيحه من علاقة عضوية وحس مباشر بين الفنان والعمل”.

وختمت بالقول: إن “تجربة ميثم السنبسي في النحت على الخشب تمثل مشروعًا متماسكًا قائمًا على وعي عميق بالمادة وبالتأريخ وبالإنسان، تجربة لا تسعى إلى الاستعراض بل إلى بناء معنى هادئ متين قابل للاستمرار، وفي زمن يهيمن فيه العابر يختار السنبسي الخشب بكل ما يحمله من ذاكرة وبطء، ليؤكد أن الفن الحقيقي يحتاج إلى زمن، وأن بعض الأعمال لا تُشاهد فقط بل تُحس وتُصغى إليها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى