أس المشكلة بين MBC Iraq ومجتمع الجنوب …

بقلم/ منهل المرشدي..
ليست الدراما مجرد وسيلة ترفيه عابرة بل هي أخطر أدوات تشكيل الوعي الجمعي وإعادة هندسة الصورة الذهنية للمجتمعات. ما يُبث عبر الشاشات لا يمر مرور الكرام فهو يعيد إنتاج القيم ويصوغ نظرة الأجيال إلى أنفسهم وتاريخهم وبيئتهم . ومن هذا المنطلق فإن ما تعرضه قناة MBC Iraq في عدد من أعمالها الدرامية يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الرسالة التي تسعى إلى تمريرها ومدى انسجامها مع المنظومة القيمية للمجتمع العراقي ولا سيما مجتمع الجنوب بما يمثله من إرث ثقافي وعقائدي وحضاري يمتد لٱلاف السنين . مما لا شك فيه إن الدراما هي مصداق لقوة ناعمة ولكن ضد من؟ الإعلام المعاصر لم يعد بريئا مجردا من نوايا السوء التي تكتب ما بين السطور ويمارس دورا يتجاوز العرض الفني إلى إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وعندما تكرر في الأعمال الدرامية صور نمطية مشوهة عن بيئة معينة أو تختزل مجتمعات بأكملها في مشاهد صراعات أخلاقية وسلوكية منحرفة فإن ذلك لا يمكن اعتباره معالجة فنية محايدة .
في مسلسل خان الذهب قبل موسمين على سبيل المثال برزت ملامح تصوير المجتمع الجنوبي ضمن سياقات يغلب عليها
تضخيم الصراعات العائلية والاجتماعية والخيانات الزوجية وإبراز أنماط سلوكية سلبية بوصفها سائدة معتادة فضلا عن تقديم الشخصيات في إطار مشحون بالعنف أو الانفلات القيمي مع تقليل مساحة النماذج الإيجابية التي تمثل القيم الحقيقية للبيئة الجنوبية. الأمر ذاته يتكرر في قنوات عراقية عديدة وفي مقدمتها الشرقية أما قناة MBC Iraq فها نحن نشهد آراء منتقدين كثر لمسلسل حمدية حيث يُطرح التراث الاجتماعي والمرأة الجنوبية وبعض البنى العائلية في قوالب درامية تتجاوز كل الخطوط الحمراء وتفتقر للحساسية الثقافية المطلوبة . مجتمع الجنوب بما يمثله من هوية عميقة أصيلة للشعب العراقي حضارة وتأريخ مشرف وثقافة هو ليست مادة استهلاكية وليس مجرد خلفية تصويرية أو بيئة درامية مثيرة تلبي رغبات نفوس مريضة بالحقد الطائفي والشعور بالنقص إزاء الٱخر . إنه حاضنة تاريخية وثقافية ودينية شكّلت جزءا أساسيا من هوية العراق بقيم الكرم العشائرية المنضبطة والروابط العائلية المؤطرة بالالتزام الأخلاقي والتدين المعتدل المصان بحب ٱل بيت المصطفى عليهم الصلاة والسلام بالفطرة . عندما تختزل كلّ هذه العناصر المتجذرة في نسيجه الاجتماعي في مشاهد مشحونة بالانحراف أو تقدّم المرأة الجنوبية بصورة نمطية مثيرة للجدل أو يصوّر الرجل الجنوبي بوصفه شخصية غاضبة أو متسلطة أو متخلفة فإننا لا نتحدث عن حرية فنية بل عن إعادة صياغة صورة مجتمع كامل على نحو انتقائي مبرمج ومسيء وهنا تكمن الخطورة .. تكرار الصورة يصنع القناعة والقناعة تصنع الانطباع والانطباع يصنع الموقف ويالتالي هو الزيف والبهتان والتحريف والانحراف . لا أحد ينكر أن الفن مساحة حرة للنقد وكشف العيوب . لكن الحرية لا تعني الفوضى ولا تعني الاستهداف المتكرر لبيئة بعينها فهناك فارق واضح بين نقد ظاهرة اجتماعية محددة وبين تعميمها بوصفها تمثل هوية مجتمع بأكمله . إن حرية التعبير تتوقف عندما تتحول إلى إساءة ممنهجة أو تشويه ممنهج وعندما تتكرر الأنماط ذاتها عبر مواسم مختلفة وأعمال متعددة يصبح من المشروع التساؤل هل نحن أمام معالجة درامية عفوية ؟
أم أمام توجه إعلامي يكرّس صورة سلبية محددة ؟ خطورة هذه الأعمال لا تتوقف عند حدود الجدل الإعلامي بل تمتد إلى إضعاف ثقة الأجيال بهويتهم المحلية وخلق فجوة بين الموروث الاجتماعي والصورة الإعلامية المعروضة عن تلك البيئة من دون سواها لمناطق شهدت مواقف مخزية قبل سنوات ليس إلا !!! حقيقة في غاية الخطورة مفادها إن الدراما ليست محصورة داخل حدود البث المحلي بل تنتقل عبر المنصات الرقمية لتصبح مرجعا بصريا عن المجتمع العراقي أمام العالم كما حصل في أكذوبة فلم المسألة الكبرى في عهد الدكتاتور المقبور . هنا لابد أن نأخذ المسؤولية القانونية وضرورة التحرك القضائي فحين يُنظر إلى المسألة من زاوية قانونية فإن أي عمل إعلامي يُلحق ضررا معنويا بجماعة اجتماعية أو يكرّس صورة مسيئة يمكن أن يكون محل مساءلة استنادا إلى قوانين حماية السلم المجتمعي ومواد القانون المدني المتعلقة بالتعويض عن الضرر المعنوي فضلا عن الأنظمة المنظمة لعمل القنوات الفضائية داخل العراق . إن المطالبة بمقاضاة الجهة المنتجة أو العارضة ليست دعوة إلى قمع الفن بل إلى وضع حدود واضحة للمسؤولية الإعلامية التي تمنع من ان تتحول الدراما إلى أداة لإساءة جماعية . اننا في الوقت الذي نبارك فيه للتحرك القضائي الذي قام به النائب مصطفى سند
فلابد أن يشمل التحرك القضائي رفع دعاوى من قبل منظمات المجتمع المدني ومطالبة الجهات الرقابية بمراجعة المحتوى قبل البث مع إلزام القنوات بمواثيق شرف إعلامي أكثر صرامة . القضية ليست في مسلسل بعينه ولا في مشهد محدد بل في اتجاه متكرر يراه كثيرون مقلقا يستحق التحسب . إن صمت المجتمع تجاه هذه المعالجات الدرامية يعني القبول التدريجي بتطبيع الصورة السلبية وتحويلها إلى واقع في ذهن المتلقي فالمجتمع الذي لا يدافع عن صورته سيتولى الآخرون رسمها نيابة عنه . أخيرا وليس ٱخرا نقول إن النقد الموجه إلى MBC Iraq والشرقية وغيرها لا ينطلق من رفض للفن بل من رفض لتحويل الفن إلى أداة تقويض قيمي أو تشويه اجتماعي والمطلوب ليس إغلاق الشاشات بل فتح باب المساءلة . وليس منع الدراما بل ضبطها بمعايير تحترم هوية المجتمع
فالجنوب العراقي ليس مشهدا دراميا يُستهلك في موسم رمضاني بل تاريخ وكرامة وهوية تستحق الاحترام .



