اراء

عرض ترامب بخصوص سد النهضة وساطة أم صفقة؟

بقلم: ثابت العمور..

من دون سابق إنذار، بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي؛ قال فيها إن الولايات المتحدة مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل أزمة سد النهضة. وكتب ترامب ‍في الرسالة التي نشرها على منصة تروث سوشيال: “أنا مستعد لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا ‍من أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي“.

وأكد ترامب أن ملف سد النهضة يأتي على رأس أولوياته، معرباً عن أمله في ألّا يؤدي الخلاف القائم إلى تصعيد عسكري بين القاهرة وأديس أبابا. وأشار الرئيس الأميركي إلى الأهمية الكبيرة لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها، وأضاف: “أريد مساعدتكم في التوصل إلى نتيجة تضمن احتياجات مصر وجمهورية السودان وإثيوبيا من المياه على المدى الطويل“.

وتُعدّ أزمة سد النهضة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في القارة الأفريقية نظراً لما تحمله من أبعاد سيادية ومائية وأمنية تمس بشكل مباشر مصالح كلٍ من إثيوبيا ومصر والسودان، والسؤال ما الذي دفع الرئيس ترامب إلى عرض العودة للانخراط المباشر في واحدة من أعقد الأزمات الأفريقية – العربية، رغم أن الولايات المتحدة ليست طرفاً مباشرا في نزاع سد النهضة؟ وهل عرض الوساطة الذي قدمه ترامب دوافعه الوساطة الصادقة، أم يأتي في إطار الحسابات الشخصية للرئيس الأميركي دونالد ترامب؟ وهل نحن أمام بداية مسار تفاوضي جديد مختلف أم استكمال لمحاولات سابقة؟ هل عرض ترامب وساطة حقيقية أم هناك صفقة ما؟

ليست المرة الأولى التي تعرض بل وتتدخل فيها الولايات المتحدة للتوسط في تسوية أزمة سد النهضة، فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت قد قررت بين عامي 2019 و2020، التدخل كوسيط رئيس في مفاوضات سد النهضة.

وبالفعل جرت مفاوضات بين الأطراف المعنيين بوساطة أميركية في واشنطن؛ وتم التوصل إلى مسودة اتفاق مُلزم قانوناً لتشغيل سد النهضة، وقعتها مصر بالأحرف الأولى ووافقت عليها السودان، لكن إثيوبيا انسحبت من التوقيع في اللحظة الأخيرة، وهو ما أثار إحباط ترامب ودفعه إلى شن هجوم لاذع على أديس أبابا، وحذّرها من عواقب مواصلة تعنّتها.

ولكن في كل الأحوال فإنه لا يمكن قراءة وفهم تصريحات ترامب وحظوظ الوساطة التي يعرضها لسد النهضة، بمعزل عن جذور الأزمة العميقة والحقيقية المتعلقة بالسد، فالأمر ليس مجرد أزمة فنية بحتة، أو أزمة قانونية، أو خلافات تتعلق بالسعة التخزينية لسد النهضة أو معدلات الملء، أزمة سد النهضة تمثل بالنسبة لمصر مسألة وجودية تتعلق بالأمن القومي المائي لدولة تعتمد اعتماداً شبه كامل على مياه نهر النيل. في حين ترى إثيوبيا في سد النهضة مشروع سيادة وطنية، وبوابة تنمية اقتصادية حقيقية كفيلة باستنهاض البلاد.

الرؤية المتناقضة لكلٍ من مصر وإثيوبيا فيما يتعلق بسد النهضة لا يمكن اختصار حلها وتسويتها بمجرد رسالة يبعث بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فالأزمة ممتدة على مدار أكثر من عقد ونصف، شهدت جولات تفاوض متعددة انتقلت بين رعاية دولية وإقليمية والبنك الدولي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، فشلت كلها في الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ويضع آليات واضحة لإنهاء الأزمة؛ ومع انتهاء كل جولة تفاوض بالفشل، تتدحرج الأزمة من الخلاف الفني والقانوني إلى الخلاف السياسي والسيادي، وتختلط نصوص القواعد القانونية الدولية بموازين القوى الإقليمية وحسابات الداخل والخارج.

وبالتالي لا يمكن فهم عرض الوساطة الأميركي بمعزل عن المصالح الاستراتيجية لواشنطن في القرن الأفريقي. فالمنطقة تشكّل عقدة جغرافية تربط بين البحر الأحمر، وخليج عدن، وشرق أفريقيا، وهي مسرح لتنافس دولي متزايد، خاصة مع التوسع الصيني في مشاريع البنية التحتية الإثيوبية.

أما فيما يتعلق بحظوظ نجاح وساطة ترامب من وجهة نظر دبلوماسية وسياسية، فإن رسالة الرجل لعرض الوساطة، الغموض فيها أكثر من الوضوح، ورغم أنها رسالة سياسية دبلوماسية رسمية، إلا أنها تفتقر إلى خارطة طريق واضحة للحل، وتفتقر إلى أدوات القوة اللازمة لإجبار إثيوبيا، على الأقل، على الجلوس والموافقة أو التوقيع. لأنه لا معنى للوساطة الأميركية وتجددها من دون توقيع إثيوبيا على وثيقة اتفاق 2020 التي تمت بموجب الوساطة الأميركية آنذاك.

ختاماً رسالة ترامب بعرض الوساطة قنبلة مُفخخة تحتمل كل جملة احتمالات ليس في أولويتها حل الأزمة، لأن منطق الرجل لا يُقدم عروضاً من دون ثمن، فما هو الثمن الذي يريده ترامب مقابل التوسط لحل أزمة سد النهضة؟ وهل الأطراف المعنيون يقبلون بذلك؟ لأن بعض التقديرات يقول إن ترامب قد يطلب من مصر إيصال مياه نهر النيل إلى “إسرائيل” وقطاع غزة مقابل الوساطة، وبعض التقديرات يقول إن عرض ترامب للوساطة يتضمن سماح مصر بمرور السفن الأميركية في قناة السويس من دون مقابل. وهو ما يعني أن عرض ترامب للتوسط لحل أزمة سد النهضة صفقة وليست وساطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى