اراء

الحدود “السورية – اللبنانية” بين الواقع وأمنيات العدو

بقلم: جو غانم..

ما إن أعلن بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية، عن سقوط “صاروخ لبناني” في محيط بلدة “سرغايا”، حتى سرى خطاب إعلاميّ وشعبويّ يتحدّث عن احتمال تدخّل عسكري سوريّ في لبنان، بالتزامن مع العدوان الذي يشنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي على لبنان وشعبه.

والواقع، أن سردية “الصاروخ اللبناني” ذاتها، أتت مقصودة وضمن سياق ممنهج يخدم أكثر من هدف، منها تعمية الحقيقة عمّا حدث وتكرر في “سرغايا” فعلًا، ثمّ تسويق الحديث عن “تدخل سوري” ضد المقاومة اللبنانية، لغرض حصارها بين النيران الإسرائيلية والسورية والتآمر الداخلي اللبناني بعض الرسميّ، وتكريس فكرة وجود “أمر أمريكي” واجب التنفيذ من جميع الجهات الرسمية في الإقليم، يقضي بوجوب التحرك للقضاء على المقاومة بكل الطرق والسبل.

وبالعودة إلى “سرغايا”، البلدة السورية الواقعة بمحاذاة سلسلة جبال لبنان الشرقية، والتي تكرر ذكر اسمها لأكثر من مرة، وفي ذات السياق، خلال أقل من ثلاثة أيام، فقد أقدمت 15 مروحيّة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي على الطيران على علوّ منخفض فوق قرى السلسلة الشرقية لجبال لبنان، لينحرف عدد منها وينفّذ إنزالًا لقوة عسكرية في سهل بلدة البلدة السورية، وتتخذ منه منطلقًا للتسلل إلى الأراضي اللبنانية تحت غطاء ناري كثيف من باقي المروحيات.

لكنّ القوة الإسرائيلية الغازية جوبهت بمقاومة شديدة من الجانب اللبناني، حيث تبين أن مقاتلي حزب الله كانوا على أهبة الاستعداد على ذلك المحور. وقد أدى الاشتباك الشديد إلى وقوع قذائف على أطراف سهل “سرغايا”، في الجهة التي حاولت القوة الإسرائيلية التسلل منها، بينما أكدت مصادر المقاومة إسقاط مروحية إسرائيلية في جرود بلدة “النبي شيت” اللبنانية.

رسميًّا، ورغم انتشار تقارير عديدة تتحدث عن اتّخاذ القوات الإسرائيلية لمواقع ونقاط داخل الأراضي السورية كمنطلق للهجوم خلال العمليّتين، إلّا أن أي تعليق رسميّ سوري لم يصدر لينفي أو يؤكّد هذا الأمر. وقد اكتفت “هيأة العمليات” في الجيش السوري، بالقول، إنّ قذائف مدفعية “مصدرها الأراضي اللبنانية”، قد سقطت بالقرب من بلدة “سرغايا”، بينما ذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا”، أنّ “الجيش قد رصد وصول تعزيزات إلى الحدود السورية – اللبنانية، ويجري تقييم الوضع بدقة”، وأنه يتواصل مع الجيش اللبناني “لبحث الخيارات المناسبة لاتخاذ الإجراءات اللازمة”.

وفي أول موقف رسميّ واضح من المقاومة اللبنانية خلال الحرب الجارية، شدّد الشرع خلال الاتصال على “دعم مساعي حكومة لبنان في استعادة السيادة وتعزيز الأمن ونزع سلاح حزب الله”. كما أشار إلى ضرورة وأهمية فتح صفحة جديدة على مسار العلاقات السورية – اللبنانية، تقوم على التعاون والتنسيق بين الجانبين “بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين”.

والأهم من هذا كله، سياسياً واستراتيجيًّا، أنّ تركيا، الحليف الأبرز لدمشق، ترى في أي تفوّق إسرائيلي في المنطقة، خطرًا كبيرًا على أمنها القومي، كما ترى في “انتصار إسرائيل” في هذه الحرب، مقدّمة لاستهدافها. وبالتالي، فإن أية “مساعدة” للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، تعني اقتراب الخطر أكثر من تركيا، وهو ما لن تُقدم عليه حكومة دمشق أو تكون جزءًا منه.

أما على المستوى الداخلي، فعلى الرغم من وجود شريحة اجتماعية سورية تعلن عداءها لقوى محور المقاومة بشكل صريح، وذلك منذ السنوات الأولى للحرب التي شهدتها البلاد، وترى في الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية، حليفًا ضامنًا للسلطة الحاكمة التي يُشكّل هؤلاء بعض بيئتها الحاضنة، وهي أيضًا شريحة متأثرة بالخطاب الطائفي الذي بذل المشروع الأمريكي – الإسرائيلي جهودًا كبيرة وأموالًا طائلة (بتمويل عربي) لترويجه وتكريسه، فإن شرائح واسعة من الشعب السوري، ما تزال قادرة على تمييز مشاريع الاحتلال والهيمنة وتمزيق المنطقة ونهب ثروات شعوبها وسلب سيادتها وكرامتها الوطنية، وهي شرائح وازنة (رغم عدم امتلاكها منصات إعلامية تُظهر واقعها ومواقفها) تقف بوضوح ضد “إسرائيل” والولايات المتحدة في هذه الحرب، وهو أمر يمكن لمسه بوضوح داخل المجتمع السوري، وذلك رغم المحاولات الإعلامية الممنهجة التي تبذل جهودًا واضحة في الترويج لعكس ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى