اراء

فشل تقديرات إسرائيل.. لماذا فاجأ حزب الله المؤسسة العسكرية؟

محمد الأيوبي..

لم يكن التصعيد الأخير على الجبهة اللبنانية مجرد جولة عسكرية جديدة ضمن الصراع الطويل بين “إسرائيل” وحزب الله، بل شكّل لحظة اختبار حقيقية لفرضياتٍ استراتيجية بنت عليها المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” جزءًا كبيرًا من تقديراتها خلال الأشهر الأخيرة. فالمشهد الميداني الذي تكشّف خلال الأيام الماضية أظهر فجوة واضحة بين ما كانت تعتقده القيادة العسكرية “الإسرائيلية” عن قدرات حزب الله، وبين الواقع الذي فرض نفسه في ساحة المعركة.

هذه الفجوة لم تكن تفصيلًا تقنيًا أو خطأً محدودًا في التقدير، بل بدت أقرب إلى إخفاق استراتيجي في قراءة بنية القوة لدى الحزب، وطبيعة تطورها بعد سنوات طوال من المواجهة المفتوحة مع “إسرائيل”.

سردية التفوق التي سقطت في الميدان

منذ اغتيال عدد من قيادات حزب الله خلال السنوات الأخيرة، وتصاعد الضربات الجوية التي استهدفت مراكزه ومخازنه، عملت المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” على ترسيخ رواية مفادها، أن الحزب تلقى ضربة قاسية أصابت بنيته القيادية والتنظيمية. هذه الرواية لم تكن موجهة فقط للرأي العام “الإسرائيلي”، بل كانت أيضًا جزءًا من تقدير عملياتي يفترض أن قدرة الحزب على خوض مواجهة واسعة قد تراجعت بشكل ملموس.

خطأ في فهم بنية حزب الله العسكرية

أحد الأسباب الرئيسة لفشل التقدير “الإسرائيلي” يعود إلى سوء فهم طبيعة البنية التنظيمية لحزب الله. فالمؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” تعاملت مع الحزب أحيانًا كما لو أنه جيش تقليدي يعتمد على هرم قيادة مركزي يمكن تعطيله عبر استهداف قياداته العليا.

لكن الواقع التنظيمي للحزب مختلف إلى حد كبير. فالبنية العسكرية لحزب الله تقوم على شبكة معقدة من الوحدات شبه المستقلة، المرتبطة بقيادة مركزية لكنها قادرة في الوقت نفسه على العمل بشكل منفصل عند الحاجة. هذه المرونة التنظيمية تجعل من الصعب شل قدرات الحزب عبر الضربات المحددة أو عمليات الاغتيال.

مفاجأة القدرات الصاروخية

جانب آخر من المفاجأة “الإسرائيلية” تمثل في استمرار فاعلية الترسانة الصاروخية لدى حزب الله. فالتقديرات “الإسرائيلية” كانت تفترض أن جزءًا كبيرًا من هذه الترسانة قد دُمّر خلال الضربات الجوية أو أصبح أقل قدرة على الاستخدام نتيجة الضغط العسكري المستمر.

ثغرات في المنظومة الاستخبارية

واحدة من أبرز الدلالات التي أظهرتها الرشقة الصاروخية الكبيرة تتمثل في الثغرات التي كشفتها في المنظومة الاستخبارية “الإسرائيلية”. فإطلاق أكثر من مئة صاروخ دفعة واحدة يعني أن منصات الإطلاق والبنية التحتية المرتبطة بها لم تكن مكشوفة بالكامل أمام أجهزة الرصد والاستطلاع “الإسرائيلية” التي تراقب المجالين الجوي والبري في لبنان بشكل دائم.

وهذا المعطى يطرح تساؤلات جدية داخل المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” حول مدى دقة التقديرات التي بُنيت عليها العمليات الجوية خلال الأسابيع الماضية. فالاستخبارات التي يفترض أنها نجحت في تحديد معظم مواقع الحزب، تبدو عاجزة عن منع إطلاق رشقات صاروخية واسعة النطاق، الأمر الذي يعزز المخاوف من قدرة الحزب على تكرار هذه العمليات في أية لحظة.

تطور في العقيدة القتالية

من الأخطاء الأخرى في التقدير “الإسرائيلي” الافتراض، أن حزب الله سيواصل القتال وفق الأنماط التقليدية التي استخدمها في حروب سابقة. غير أن الأداء الميداني الأخير أظهر، أن الحزب طوّر عقيدته القتالية بشكل واضح.

فبدلًا من الاعتماد فقط على الصواريخ قصيرة المدى أو الاشتباكات الحدودية، بات الحزب يستخدم مزيجًا من الأدوات العسكرية يشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة الانقضاضية والصواريخ المضادة للدروع، إضافة إلى الكمائن البرية المنظمة.

معضلة الحرب الطويلة

من الناحية الاستراتيجية، تكمن المشكلة الأساسية لـ”إسرائيل” في احتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. فالتأريخ العسكري يظهر أن الحروب الطويلة غالبًا ما تُضعف الجيوش النظامية التي تعتمد على التفوق التكنولوجي، في حين تمنح التنظيمات غير التقليدية فرصة للاستفادة من مرونتها التنظيمية.

وحزب الله، بحكم تجربته الطويلة في الحروب غير المتكافئة، يمتلك خبرة كبيرة في إدارة هذا النوع من الصراعات. لذلك فإن استمرار المواجهة لفترة طويلة قد يفرض على “إسرائيل” استنزافًا عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا يصعب تحمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى