اخر الأخباراوراق المراقب

هجر القرآن الكريم

صباح الصافي..

القرآن الكريم هو نور يهدي القلوب، ويضيء دروب الحياة، ومنهج يجمع بين الإدراك والتَّطبيق. ومع ذلك، فإنَّ هذا الحضور الحقيقي للقرآن في حياة الإنسان لا يتحقَّق إلَّا إذا عاش الإنسان مع النَّص، وتدبَّر معانيه، وتفاعل مع أحكامه، واستند إلى مرجعيته العلميَّة والعمليَّة في تنظيم حياته. غير أنَّ كثيرًا من الأفراد والمجتمعات يقعون في ظاهرة الهجر، التي تتَّخذ أشكالًا متعدِّدة؛ من الانقطاع عن التِّلاوة، أو الإعراض عن التَّدبر، إلى التَّقليل من شأن الآيات المباركة، وتجاهل العمل بتوجيهاتها، وتمتد أحيانًا إلى الابتعاد عن الإمام المعصوم (عليه السلام)، الذي يمثِّل الضمان لفهم الكتاب وتطبيقه الصَّحيح.

وفي هذا السِّياق، يأتي قول الله (تبارك وتعالى): (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) ليكون مرجعًا ودليلًا على حجم الخطر الذي يترتب على هذا الهجر، ويكشف عن أبعاده النَّفسيَّة والعمليَّة. واستنادً لهذا النَّص سنقف على معنى هجر القرآن الكريم لغةً واصطلاحًا، ونحلِّل أبرز صوره العمليَّة، مستعينينَ بالنُّصوص القرآنيَّة والرِّوايات الشَّريفة. ففهم هذه الأبعاد والأشكال المختلفة للهجر يشكِّل الخطوة الأولى نحو استعادة العلاقة المثمرة بكتاب الله (سبحانه)، وحماية الإنسان من الانزلاق إلى غفلة تحرمُ قلبه من نور الهداية الذي أنزله الله (تبارك وتعالى) في كتابه العظيم.

وقبل الحديث عن مظاهر وصور هجر القرآن الكريم وآثاره، لا بدَّ من الوقوف أوَّلًا عند تحديد معناه، وضبط مفهومه لغةً واصطلاحًا؛ لأنَّ وضوح المفهوم يمهِّد لفهم أبعاده المختلفة. ومن هنا يأتي هذا المحور لبيان الدلالة اللغويَّة للهجر والهجران، ثمَّ استعراض أهمِّ التَّعريفات الاصطلاحيَّة التي تناولت معنى هجر القرآن الكريم.

والهجر والهجران لغةً: “ترك ما يلزمك تعهده، ومنه اشتقت هجرة المهاجرين؛ لأنَّهم هجروا عشائرهم فتقطعوهم في الله” وقالوا كذلك في معناه: “مفارقة الإنسان غيره إمَّا بالبدن أو باللسان أو بالقلب، قال (تعالى): (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) كناية عن عدم قربهن، وقوله (تعالى): (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)، فهذا هجر بالقلب أو بالقلب واللسان”.

أمَّا هجر القرآن اصطلاحًا؛ فقد عرف بتعاريف عدَّة:

1. “نسبةُ غيرِ الحقِّ إلى القرآن الكريم”، ويمكن أن يكون ذلك بالقول فيه بما لا يطابق مرادَه الحقيقي، عبر تحريف معانيه أو تفسيره بغير علمٍ أو هدًى.

2. “الابتعاد عن القرآن بأشكال متعدِّدة، فهو يشمل التَّرك المباشر؛ بالامتناع عن قراءته أو سماعه، والإعراض عنه؛ بالانشغال عن التَّدبر والتَّأمل فيما ورد فيه، واللغو فيه، بالتَّعامل مع آياته أو أحكامه بازدراء أو تقليل من شأنها عند سماعها”.

3. “الامتناع عن قراءته أو سماعه، والصدِّ عنه، وإبعاد النَّفس أو غيرها عن التَّواصل معه، سواء بالانشغال عن تدبره أو عدم الاستماع إليه أو عدم الاعتناء بتطبيقه. وهذان الجانبان –التَّرك والصَّد– يشيران إلى الابتعاد الفعلي والعملي عن القرآن؛ سواء كان ذلك نتيجة الإهمال أو التَّقصير أو الانشغال بالدُّنيا، فيفقد الإنسان من خلاله مصدر الهداية والطَّمأنينة التي يُوفّرها القرآن لمن جعله منهجًا لحياته”.

4. “ترك العمل بأحكام القرآن والابتعاد عن دساتيره في تنظيم شؤون الحياة، مع اعتماد مناهج وتشريعات الكفَّار وأنظمتهم في الحكم والسِّياسة والاجتماع بدلًا من الالتزام بالقوانين الإلهيَّة، ممَّا يؤدِّي إلى فقدان الهداية والمبادئ الأخلاقيَّة والقيَم الثَّابتة التي يوفّرها القرآن للفرد والمجتمع”.

5. “الابتعاد عن الإمام المعصوم (عليه السلام) وترك طاعته وولايته، بما ينتهي إلى الإعراض عن القرآن والعمل بأحكامه وفقدان الهداية العمليَّة للدِّين؛ إذ إنَّ ارتباط الإنسان بالمعصوم يمثِّل الضَّمان لفهم الكتاب وتنفيذ تعاليمه على نحو صحيح.

وتتجلَّى ظاهرة هجر القرآن الكريم في عدد من المظاهر التي كشفت عنها النُّصوص القرآنيَّة والرِّوائيَّة والمعاني اللغويَّة والاصطلاحيَّة، وقد أمكن بواسطة استقراء تلك النُّصوص اختيار خمس صور رئيسيَّة تعبِّر عن أنماط متباينة من الانقطاع عن القرآن الكريم. وهذه الصور تمتد لتشمل مستويات متعدِّدة من العلاقة مع كتاب الله (تعالى)، تبدأ من الانفصال المباشر عن تلاوته، وتصل إلى أشكال أخطر تتعلَّق بتدبره والعمل بمضامينه. ومن أبرز هذه الصُّور:

الصُّورة الأولى: الهجر المباشر

 ويقصد بالهجر المباشر الامتناع عن قراءة القرآن الكريم أو الاستماع إليه؛ أي: الانقطاع الكامل عن التَّواصل مع كلام الله (جلَّ جلاله)، بحيث يغيب حضوره في حياة الإنسان اليوميَّة، فلا يتلوه بلسانه ولا يُصغي إليه بأذنه. ويُعدُّ هذا النَّمط من الهجر أبسط مظاهر الانفصال عن القرآن، إلَّا أنَّ بساطته الظَّاهريَّة لا تنفي خطورته؛ لأنَّ القراءة تمثِّل أوَّل درجات الارتباط بكتاب الله (سبحانه)، والبوَّابة التي تفتح أمام الإنسان آفاق الفهم والتَّدبر والانتفاع.

الصُّورة الثَّانية: الهجر بالانشغال عن التَّدبر

تتمثَّل هذه الصُّورة في قراءة القرآن الكريم أو الاستماع إليه من دون التَّوقف عند معانيه أو التَّأمل في دلالاته، بحيث تظل العلاقة مع النَّص القرآني علاقة صوتيَّة أو شكليَّة لا تتجاوز حدود التلاوة اللفظيَّة. وفي هذه الحالة يبقى القرآن حاضرًا في اللسان أو السَّمع؛ لكنه يغيب عن دائرة الوعي والفكر، فلا ينعكس في سلوك الإنسان، ولا يظهر أثره في توجيه مواقفه وبناء نظرته إلى الحياة. وهذا النَّمط من الهجر أكثر خفاءً من الهجر المباشر؛ لأنَّه قد يقع مع استمرار التلاوة، غير أن التلاوة تكون خالية من التَّفاعل الفكري والوجداني الذي يفتح الطَّريق إلى الانتفاع الحقيقي.

الصُّورة الثَّالثة: الهجر بالتَّقليل من شأن القرآن الكريم

 تتمثَّل هذه الصُّورة في التَّعامل مع القرآن الكريم بغير جدِّية أو بتهاون، بحيث يُنظر إليه بوصفه كتابًا عاديًّا أو مادة أدبيَّة أو تأريخيَّة لا تتطلَّب الالتزام أو التَّقدير. ويشمل هذا النَّمط من الهجر التَّقليل من أهميَّة النُّصوص القرآنيَّة أو الأحكام الشَّرعيَّة المستنبطة منها، وإظهار ازدراء ظاهر أو ضمني للآيات، أو الاستخفاف بما تحمله من قيم ومعانٍ سامية. كما يمتد هذا السلوك إلى تبني أفكار مغلوطة حول القرآن، مثل الشَّك في مصداقيته أو الادِّعاء بتحريفه، أو عدم الاعتراف بمقامه الرَّفيع، وهو ما يُعدّ تجاوزًا صارخًا للحقوق الإلهيَّة التي خصَّ الله (تعالى) بها كتابه الكريم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى