اخر الأخبارثقافية

لوحات حليم قاسم.. وجوه تحمل خارطة الألم العراقي

المراقب العراقي/ رحيم يوسف ..

الفنان الشاب حليم قاسم الذي يواصل العمل على تجربة الوجوه منذ فترة ليست بالقصيرة، تمكن من تعميق تلك التجربة عبر العمل عليها بهدوء شديد ودون ضجيج ليعرض تجربة امتلكت مقومات نجاحها.

لا يترك الغياب سوى أرواح معتلة تعاني من القلق والخوف والارتياب،  فتترسخ آثاره في تلك الارواح التي تعتل، وهو غياب قسري لأسباب خارجة عن إرادة الغائب والمنتظر، ولان الوجه بوابة الجسد، اختصر الفنان عملية التجسيد للوجوه باعتبارها تخفي خلفها أجساداً كاملة تحمل لوعتها بصراخ واحتجاج صامت، هذا الغياب الذي قد يكون تأثيره على الغائب اكثر حدة من تأثيره على المنتظر، غير اننا لا نعرف ذلك التأثير بسبب الغياب بشكل بديهي وأعني غياب الآخر بكل مسمياته من هنا فإننا نشكل تركيزنا على المنتظر ونبحث عن تأثير الغياب، ولان ذلك التأثير يعل الأرواح قبل الأجساد كما أشرنا لا يمكننا ان نلاحظه سوى بالوجوه، هكذا هو الامر في تجربة الفنان حليم قاسم التي عنونها (أبو غائب) وعرضها على قاعة سلام عمر في وزيرية بغداد/ وأبو غائب كلمة عامية وشائعة في اللهجة العراقية تدل عمن لا نسل له بسبب عدم الارتباط أو لعدم قدرته على الانجاب لعقم أحد طرفي العلاقة الانسانية غير انها هنا تدل على الغياب القسري المتعمد وحليم استخدمها هنا، ولم يكتفِ بذلك بل قدم لها بالقول:

  • أبو غائب، إنسان معاصر يعيش على قيد الانتظار لا يملك أولاداً أو هم مفقودون ابتلعتهم الحروب والأزمات والمنافي والسجون.. هو سادن الانتظار والترجي في معبد الفقد.

ويمكنني القول بان معظم العراقيين أو كلهم كانوا سدنة في معابد الانتظار لجميع الأسباب التي ذكرها الفنان في مقدمته القصيرة التي أوجزت كل شيء تقريبا أو هكذا أرى الأمر من وجهة نظري.

عبر تصديه لثيمة الوجه المتكررة في اعماله الفنية وبعد دراسته كما هو واضح لأشهر تجارب من جسد الوجوه عالميا. (إدفارد مونك ، وإرنست لودفيغ كيرشنر، وإيغون شيليه،  وفرانسيس بيكون، وكاثي كولفيتز، وأوسكار كوكوشكا، وجورج غروس، ولوسيان فرويد، وآدم غابريل وزينة المظفر وآخرين) من الذين تصدوا لتدوينها عبر المسار التعبيري وبمختلف المضامين والانفعالات تمكن الفنان حليم قاسم عن الابتعاد كليا عن الجميع ليدون بصريا وجوها تنتمي اليه ولا تتشابه بأي شكل من الأشكال مع تلك التجارب، فهي وجوه تنتمي الى الألم العراقي الصرف الذي عشناه كمن سبقنا ومازلنا وسيمتد طويلا في البلاد التي غلفها الحزن، ليبدو الحزن وكأنه ماركة مسجلة عراقيا وبامتياز منذ فجر التأريخ، وهو هنا يجسد الحضور/ الغياب أو الغياب الحضور باعتبارهما شكلين للوجود الانساني على هذه البقعة المطعونة ابديا دون الخلق، وكأنها تعاني من لعنات جميع الآلهة  حتى فناء الكون.

بحسب إدغار ديغا فان التكرار هو الذي يعطي القيمة للعمل. يجب أن نرسم الموضوع نفسه عشر مرات، مئة مرة، لكي نتمكن من استخراج جوهره الحقيقي.

ووفقا لقول ديكا يمكننا النظر باتجاه التكرار في رسم الوجوه في هذه التجربة، فهو هنا لا يعني خللا بالتجربة بل هو قصديا من اجل تدوين كافة انواع القلق والفقد التي تمر بها الوجوه المجسدة، وهي تختلف كليا من وجه لآخر عند التدقيق بها جيدا، من هنا تأتي اهمية التجربة واختلافها وتميزها، ولذلك ابتعدت عن جميع تجارب من ذكرناهم سابقا عبر عمل الفنان عليها لسنوات من اجل تعميقها بوضوح، وهو هنا يحاول كشف الحقيقة النفسية والباطنية للإنسان لا شكله الخارجي فقط، وهو ما يجعل الجميع جزء من المشاهد العامة للسطوح التي تمنحنا شعورا بالانسحاق التي تعاني منها، ليتحول ابو غائب في لحظة حزنه الأزلي الى مجتمع كامل مسحوق كليا يدور مع دوران الوجوه وعدم ثباتها لأنها تتيه في قلق متواصل، انطلاقا من عذاباتها الروحية المستديمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى