اراء

طهران تدقُّ ما تبقى من مسامير في نعش الإمبراطورية الأمريكية

بقلم: إلهامي المليجي..

ما يجري ليس مجرّد حرب على إيران، بل هو اختبار وجودي لهيبة واشنطن، فإذا عجزت النار عن كسر الإرادة، تحوّلت المعركة نفسها إلى مسمار جديد في نعش الأحادية الأمريكية.

ليست كلّ حرب استعراضاً للقوة؛ بعض الحروب تكون اعترافاً مذعوراً بأنّ القوة نفسها بدأت تفقد قدرتها على إخضاع التأريخ. حين تلجأ الإمبراطوريات إلى النار كي ترمّم هيبتها المتصدّعة، فإنها لا تعلن سطوتها بقدر ما تكشف خوفها من زمن يتفلّت من قبضتها.

الإمبراطوريات حين ترتبك.. تذهب إلى الحرب

الإمبراطوريات لا تعترف بسهولة بأنها دخلت طور التراجع. تفعل كلّ شيء كي تؤجّل لحظة الاعتراف، تضخّ مزيداً من السلاح، ترفع منسوب العنف، توسّع خرائط الاستباحة، وتخوض الحروب كأنها تخوض معركة أخيرة مع الزمن نفسه، ليست الحرب هنا علامة ثقة كاملة بالنفس، بل علامة خوف من فقدان القدرة على فرض الطاعة القديمة.

حين أمّم جمال عبد الناصر قناة السويس، لم تتحرّك بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” لأنها فوجئت فقط بقرار سيادي كبير، بل لأنها رأت فيه صفعة على وجه نظام كامل تأسس على أنّ هذه المنطقة لا يجوز لها أن تقرّر مصيرها بنفسها. كان المطلوب من العدوان أن يعيد مصر إلى حجمها الذي رسمه الاستعمار لها، وأن يلقّن كلّ من يفكّر بالخروج من العباءة درساً قاسياً.

الحرب التي أرادت استعادة الردع فانقلبت إلى اختبار له

من هذه الزاوية وحدها يمكن فهم ما يجري اليوم. فالحرب على إيران ليست مجرّد عملية عقابية عابرة، ولا مجرّد جولة جديدة في صراع إقليمي طويل، إنها محاولة أمريكية-صهيونية لإعادة ترميم الردع، وإعادة رسم حدود المسموح والممنوع في الإقليم، وتوجيه ضربة تقول للجميع، إنّ واشنطن لا تزال قادرة على فرض المشهد كما تريد.

هنا يتقدّم السؤال الأخطر: ماذا لو أنّ الحرب التي شُنّت لاستعادة الهيبة، صارت هي نفسها ساحة لانكشاف حدود هذه الهيبة؟.

الردع حين يتعثّر تحت النار

أزمة الإمبراطوريات لا تبدأ حين تُهزم نهائياً، بل حين تبدأ صورتها في التصدّع. الردع، في جوهره، ليس مجرّد صواريخ وطائرات وقواعد. الردع هو اقتناع خصومك والعالم بأنك حين تتحرّك، فإنّ النهاية معروفة سلفاً. فإذا تحرّكت، ثم طال أمد الحرب، وتوسّعت الجبهات، وارتفعت الكلفة، وبقي الخصم واقفاً، فإنّ أول ما يتآكل ليس الذخيرة، بل الأسطورة.

من ميدان القتال إلى ميدان الاقتصاد

لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الحارس الأكبر للنظام الدولي، ولحرية الملاحة، ولتدفّق الطاقة، وللاستقرار المالي العالمي. لكنّ الحرب الراهنة تحمل مفارقة قاسية: القوة التي تزعم حماية النظام باتت، بفعل اندفاعها العسكري، أحد أهم مصادر اختلاله.

حين تقفز أسعار النفط، وتضطرب سلاسل الإمداد، وترتفع كلفة التأمين والشحن، ويتسع القلق من ركود وتضخّم واهتزاز في الأسواق، فإنّ المسألة لم تعد مسألة حرب بعيدة عن المركز. لقد أصبحت الحرب نفسها عبئاً على النظام الذي تدّعي واشنطن أنها عموده الفقري.

من امتصاص الضربة إلى قلب المعادلة

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الأداء الإيراني، ولا إلى دور حزب الله، بمنطق ردّ الفعل المحدود. ما يتكشّف هو تطوّر في طبيعة الاشتباك نفسه: من امتصاص الضربة الأولى إلى السعي لقلب معادلة الحرب عبر توسيع الكلفة، وإرباك مراكز القرار، ونقل الصراع من ساحة واحدة إلى فضاء إقليمي مفتوح.

الخصم هنا لم يعد يواجه جبهة صامتة أو دفاعاً مرتبكاً، بل يواجه إرادة تقول بوضوح: إذا فتحتم أبواب النار، فلن تبقى النار عند حدودكم التي رسمتموها أنتم. وهذا هو التحوّل الأخطر في أيّ حرب: أن يفقد المعتدي امتياز تحديد الساحة، وتوقيت الردّ، ومستوى الكلفة.

إذا توقّفت الحرب الآن.. من الذي يكون قد خسر صورته؟

هنا نصل إلى النقطة المفصلية. إذا توقّفت الحرب، أو فُرض عليها التوقّف، بعد كلّ هذا الاتساع في الجبهات، وبعد تعاظم كلفة هرمز، وبعد تعرّض القواعد الأمريكية للضرب، وبعد عجز “إسرائيل” عن تحويل تفوّقها الناري إلى مشهد خضوع واضح، فكيف سيُقرأ ذلك؟.

لن يُقرأ، في نظر كثيرين، بوصفه إدارة ناجحة للأزمة. سيُقرأ بوصفه لحظة اضطرت فيها القوة الأعظم إلى التراجع خطوة، لا لأنّ نيّاتها تغيّرت، بل لأنّ كلفة الاستمرار صارت أعلى من قدرتها على جني مكاسب سياسية حاسمة. وهذا بحدّ ذاته ضربة ثقيلة لهيبة واشنطن، لأنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الإمبراطورية ليس أن تُستنزف فقط، بل أن يُكتشف أنها ليست قادرة دائماً على تحويل تفوّقها العسكري إلى إرادة نافذة.

ليس سقوطاً فورياً.. لكنه تآكل تأريخي متسارع

لا، ليست الولايات المتحدة بريطانيا 1956. والفارق بين الإمبراطوريتين، في البنية والامتداد والقدرات، فارق هائل. وليس من الجدّية تحويل كلّ أزمة إلى إعلان متسرّع عن السقوط النهائي. لكنّ التأريخ لا يعمل بهذه الفجاجة أصلاً. الإمبراطوريات لا تنهار في ضربة واحدة، بل تتآكل في سلسلة من الاختبارات التي تكشف حدودها، وتراكم الشقوق في جدارها، وتبدّد الهالة التي كانت تحيط بها.

صوت المسامير

قد لا تكون هذه الحرب المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية الأميركية، لكنّ الأرجح أنها ليست حدثاً عابراً في سجل هيمنتها. فبعض الحروب لا يُقاس بخرائط النار وحدها، بل بما يكشفه من حدود الحسم، وهشاشة الردع، وعجز القوة عن تحويل التفوّق العسكري إلى طاعة سياسية دائمة.

الإمبراطوريات لا تسقط دفعة واحدة. تتآكل أولاً في صورتها، ثم في قدرتها على إخافة العالم، ثم في عجزها عن تحويل النار إلى مستقبل. وعند تلك النقطة، لا يعود دويّ الصواريخ هو الصوت الأعلى، بل ذلك الصوت الأعمق الذي لا تخطئه أذن التأريخ، صوت المسامير وهي تُدقّ في نعوشها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى