تراجع العلاقات الرياضية

بقلم/ زكي الطائي..
لم تكن الرياضة يومًا من الأيام مجرد منافسة داخل الملعب، بل هي منظومة متكاملة من القيم الإنسانية الرفيعة التي تقوم على الاحترام المتبادل وروح الزمالة والتعاون، فالعلاقات الرياضية بين اللاعبين والمدربين والإداريين والإعلاميين كانت تشكّل فيما مضى قاعدة راسخة تسند الحركة الرياضية، وتمنحها القوة والاستقرار وتجعل من الاختلاف في الرأي حالة صحية لا تفسد للود قضية.
غير أن هذه العلاقات، وللأسف، لم تعد اليوم كما كانت في الماضي فقد عصفت بها رياح المصالح الضيّقة والغايات الشخصية حتى أصبحت في كثير من الأحيان أقرب إلى حالة من الفوضى التي أضعفت جسد الرياضة، وأفقدت بعض مفاصلها أهم ما يميزها من قيم وأخلاقيات، فلم يعد المدرب يدافع عن زميله كما كان يحدث سابقاً حين كانت الزمالة المهنية تعلو فوق كل اعتبار، بل وصل الحال ببعضهم إلى ممارسة التسقيط والإساءة في مشهد يبتعد كثيرًا عن روح الرياضة التي يفترض أن تجمع ولا تفرّق، وكذلك الحال لدى بعض الإدارات الرياضية التي دخلت في صراعات جانبية أنهكت الأندية وأشغلتها عن واجباتها الأساسية في البناء والتطوير.
أمَّا اللاعبون وهُم الواجهة الأجمل للرياضة فقد تأثر بعضهم أيضًا بهذه الأجواء المتوترة، فغابت أحيانًا روح الأسرة الواحدة التي كانت تميّز الفرق الرياضية في السابق، وحلَّ محلّها التنافس غير الصحّي الذي تحرّكه حسابات شخصية أكثر ممّا تحرّكه مصلحة الفريق.
والأمر الأكثر إيلامًا أن بعض وسائل الإعلام التي يُفترض أن تكون عامل تهدئة وإصلاح أصبحت في أحيان معيّنة جزءًا من هذه الصراعات حين تنجرف وراء تغذية الخلافات الشخصية أو تضخيمها لتتحوّل من منبر للنقد البناء إلى أداة تزيد من حدّة الانقسام داخل الوسط الرياضي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل امتدَّ في بعض الحالات إلى الإساءة لرموز رياضية هُم موتى ومع ذلك طالتهم كلمات التجريح من بعض ضعاف النفوس والوجدان!!
وهنا يبرز السؤال آخر: لماذا وصل الحال إلى هذا النحو من المستوى المتراجع في العلاقات الرياضية، ولماذا ترك البعض القمم التي تمثل الرفعة والقيم النبيلة واتجهوا إلى مساحات ضيّقة من الصراع الشخصي الذي لا يخدم الرياضة ولا مستقبلها؟
إن الرياضة لا يمكن أن تنهض في بيئة يطغى عليها التشاحن والتناحر، بل تحتاج إلى مناخ يسوده الاحترام المتبادل والعمل بضمير حي تحيط به النزاهة من كُل جانب، فالعلاقات الصحية بين أفراد المنظومة الرياضية هي الأساس الذي تقوم عليه أي نهضة حقيقية.
إن إعادة الاعتبار لقيم الزمالة والاحترام المهني باتت ضرورة ملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن الرياضة في جوهرها رسالة أخلاق قبل أن تكون نتائج وألقاب، وإذا فقدت هذه الرسالة معناها فإن كُلّ الإنجازات ستبقى بلا روح.
الرياضة التي لا تجمع أبناءها حول قيم نبيلة لا يمكن أن تصنع مستقبلاً يليق بتأريخها ولا بطموحات جماهيرها.



