التقانة اولا.. أم الحق والإرادة!!

بقلم/ د. بلال اللقيس..
دفع مسار التطور العلمي – التقني في الغرب بعدد لا باس به من النخب لتبني ما صار يعرف بحضارة التقانة هنا تنتج التقانة الثقافة وتصنع الحضارة خلافا لمنطق الحضارات الذي تتقدم الفكرة والقيمة على الوسيلة والأداة او ربما تندكان. وكان لبريق إنجازات التقانة في الحروب الأخيرة دورا اضافيا عندما تطرفت بعض النخب إلى حد تأليه التقانة ووقع بعض آخر في عالمنا بشَركها معلنا انهزامية جديدة امامها مستسلما لها باعتبارها قدرا محتوما لا مفر منه ولا حيلة امامه وصار يردد ادبيات حضارة التقانة ويجاريها واحيانا يضاهي أصحابها؛ فهي التي ستحدد عالمنا المعرفي بل هي التي ستعرفه، هي البداية والنهاية!! .
بكلمة اخرى صار البعض ينظر للتقانة كآلهة وأمرها نافذ وانها هي التي ستحدد المصير والمستقبل وليس الارادة ولا الحق ولا مسالة العدالة، فالتقانة هي منتجة مشروعية عالمنا الجديد وليس اي معطى اخر. حري عن البيان اهمية التقانة والقفزات النوعية التي تحققت في العقود الاخيرة وتأثيراتها على حياة البشر، وحري عن البيان انها ليست فقط اداة، بل هي ثقافة من منظور معين ليس لانبثاق مفاهيم وسلوكيات عنها فحسب، بل لانها بأصلها نتاج ثقافة وقيم وإدراكات ورؤى حول الإنسان والعالم في المجتمعات المنتجة لها.
لكن لا يجب ان يغيب أنّ ثورة التقانة الهائلة اليوم ليست استثناءا في تاريخ العلم فكان قد سبقها نقلات كيفية هائلة وعند كل نقلة ذهب البعض ان تلك النقلة ستحدث تحولا معرفيا نهائيا وحاسما يغير الحقائق والوقائع ويعيد صياغتها وسيستسلم العالم لهذا الجديد. هكذا قيل في “العقل” وما اعقبه من اكتشافات علمية مع القرن السادس عشر حيث سيحدد -اي العقل- الحقائق ويوصل اليها ولا شيء سواه قادر ان يولّد المشروعية وما غيره ميتافيزيقيا، فهل استقام هذا الافتراض والادعاء!.
واليوم تقدم التقنية على طريقة النهايات. بالأمس انتجت “العقلانية” مفاهيم اجتماعية وسياسية وايضاً تم تأليهها كالدولة القومية والديمقراطية والرأسمالية باعتبارها الحلول النهائية ليتوصلوا بعد محاولات تحسين كثيرة الى استحالة هندسة العالم على طريقة العلوم الطبيعية والتجريبية. والسؤال الطبيعي هل ما عجز عنه “العقل” ستستطيع عليه “التقانة”! ام ان التقانة رغم أهميتها وخطورتها ورغم ما تحمله من فرصة لدمقرطة المعرفة وتمكين الانسان فإنها تحمل بذور تهديد مرعب للمستقبل إذا انفلتت من عقالها كما اعترف كيسنجر وغيره وأقروا انه حال عدم توفير طرقا وإدارة ومنظومات اخلاقية اولا ومؤسسية للتحكم فقد ينقلب الأمر من انجاز إنساني إلى تهديد للإنسانية ومستقبلها ، لذلك الخطر ليس ان التقانة ستعجز عن تعريف الواقع وتحديد ما هو الحقيقي كما ادعى العقل ذات يوم بل ان تتحول الاستفادة منها إلى خضوع لها ، كيف والحال انك امام ثورة تحمل بذور تهديد المستقبل البشري برمته إذا لم نتمكن من التحكم بها! ومن يا ترى سيتحكم بها؟ هل العقل الأداتي التي هي نتاجه ام العقل الفلسفي الذي افل في الغرب او يأفل ام الاخلاق التي لا يُعترف بها ام الدين الذي قضوا عليه وحولوه إلى أداة ايضا؟
كما انً التقانة تستطيع ان تحدث خرقا او تحقق انجازا اوليا تكتيكيا كما في الحروب التي تخصها اميركا وإسرائيل اليوم لكن ليس بالضرورة ان تستحيل انجازا استراتيجيا او كليا -شواهد غزو افغانستان والعراق وليبيا وحروب إسرائيل على لبنان وغزة وليس انتهاءا بأسر الرئيس الفنزويلي مادورو- ويطول استعراض الأمثلة، ما يؤكد انها في حقيقتها بعض شيء وليست كل الشيء او “الاله” الجديد.
بالخلاصة ان التقنية تفتح إلى مسارات اشد خطرا وأقل ثباتا وسكونا والتزاما من العقل الذي افترض البعض انّ من خلاله يبنى عالما انسانيا أفضل. فلن تكون التقانة قادرة -مهما تقدمت- ان تبدل الحقائق وتصنع عالما معرفيا يطيح بالثوابت واليقينيات كأن تستبدل الخير والشر المركوز في الإنسانية وأعماقها والصواب والخطأ بحيث تصبح المفاهيم والواقع رهن الآلة وذكائها وافتراضاتها، فنصير بعالم ما بعد الحقيقة. نعم ان نعترف ان التقنية عُدة مهمة جدا ومؤثرة في المسار الانساني كما الصراع الجاري عالميا مع اعدائنا ويجب ان نسعى لامتلاك ناصيتها ما أمكننا ذلك في المواجهة وان نوظفها باعلى ايجابية في خدمة الانسانية جمعاء لكن لا ان نصل لنؤلهها فنتحول في فهمنا للصراع من نظرية الحق والباطل والصواب والخطأ والخير والشر إلى التقانة كقضية ومعيار تفسير الحياة والأفضل، فنسلم الارادة والعزيمة والايمان والقيم والاخلاق ونسلم المعيارية نسلمها كلها إلى التقانة باعتبارها غالب امرها!!.
مهما تقدم الزمن ومهما تطورت الادوات ومهما حاولوا نقل الصراع من صراع الحق والباطل والمستضعف والمستكبر والارادة والمشروعية والاخلاق الى عناوين اخرى فلن يحققوا الا مزيدا من مجافاة الواقع باسم العلم، وهذا ما على الشعوب التنبه له وعدم الوقوع في شركه وان تؤمن بقدرتها على تجاوزه لا سيما في هذه اللحظة التي تبدي اميركا سفورها التام وتتعرى من كل شيء لتظهر بصورتها الوحشية المعتمدة على فائق القوة والتقانة المتقدمة.
فلا تغيير في نظرية المقاومة بل تعميق، وسعي أمضى لتطوير الادوات بحسب الاستطاعة والممكن، المهم ان تبقى الشعوب في الميدان وان تلتزم حقها في حياة حرة وتناهض الظلم ولا تساوم الظالم وتثق بنفسها وتتصالح مع الضمير والفطرة السوية، فالشعب الذي يعضد الحق ويكون جناح له سيبقى هو مصدر المشروعية انا عناصر القوة الاخرى فهي متممة وليست بديلة لا سيما قوة المادة والتقانة فالفكرة السليمة تسبق استخدام القوة والتقنية الفائقة.
اليوم يبدو العالم في افضل لحظة مشروعية في تاريخه الحديث بمواجهة الطغيان والعسف والهيمنة، لاول مرة لا نكون بين مهيمنين اثنين او اكثر ، بل بين مهيمن وشعوب تتحرك او تهم للتحرك مطالبة بحقها ، لاول مرة يكون المشهد عالمي ينتظره جميع اهل الارض، وربما للمرة الاولى تقترب الشعوب اكثر في درجة حنقها واستيائها من نظام الهيمنة الغربي (الاميركي بالذات) وتصاعد مطالبتها بالعدالة وغضبها للكرامة -ولو ان بعضها لا زال يتحفظ ان يدفع كلفة تحرير ذاته- بينما تستمر نظرية المقاومة بترسيخ منطقها وتدعيمه وتوسعه معلية من نهج الاقتدار اي الارادة الحقة والإعتماد على الذات الواعية ثم استجماع ما امكن من عوامل القوة المادية، تستمر تتقدم بعناد وتصميم لتؤكد ان الحق هو المطلق وهو اليقين الوحيد والمعيار الأوحد الذي لا يمكن ان يتبدل او يتقادم بالزمن او يتخلف وان الاخلاق ستبق اليوم وغدا هي الحاكمة على “العقل” كما على “العلم والتقانة” وستبقى هي جوهر الحياة الإنسانية وصاحبة السلطان. ان مساعي الهيمنة الغربية بالتجهيل (ماضيا) وبالتعليم (حاضرا) تصطدم اكثر من اي وقت مضى بشعوب جبهة المقاومة وبإرادة الشعوب وحضورها الواعي والتفافها على حقها.



