اخر الأخبارثقافية

ديوان “بقايا امنيات” ..رثاء وطن وطأه المحتلون

د جليل البيضاني..

سنحت لي الظروف أن أقرأ ديوان الدكتور علي لعيبي ( بقايا أمنيات) قبل طباعته حين أهدانيه.. وهي عادته الجميلة قبل كل ماينشره من مجموعات شعرية..
والفترة الطويلة التي مرت على تعارفنا والتي بدأناها بتأسيس صحيفة أسبوعية ثم وفقنا الله فأصدرنا مجلة ( الآداب والفنون).. كان ومازال ذلك التعارف يسير على خطى الأخوّة والمحبة.
في مجموعته الأخيرة ( بقايا أمنيات) تلوح للقاريء عدة دروب لاتأخذ نسقاً معيناً ولاتراتبية مقصودة، وإنما تأتي متراكبةً متباعدةً بين نص وآخر، لكنها لاتشذ عن تلك الدروب.
وأول تلك الدروب هو درب الوطن وذلك الانتماء الحقيقي الصادق له..
ففي قصيدة ( سجل أنا عربي) قد يأخذنا العنوان إلى قصيدة الشاعر الكبير محمود درويش التي يقول فيها ( سجل أنا عربي ورقم بطاقتي عشرون ألف) ولكن الدكتور علي في قصيدته هذه يرثي بلاده التي وطأها المحتلون وأشاعوا فيها الدمار والخراب ومن مقاطعها:
أتعس الأشياء
بلادٌ رثةٌ تماماً
أحياناً من الأفضل
أن تنزع وجهك…
ثم يوظف أماكن بغداد الشهيرة ليضعها أمام ذاكرته المتقدة:
هناك سبع قصور
ومركبات التكتك الشهيرة
وكبة الكبة
ومكتبة النهضة
مرَّ سريعاً من أمام نصب الحرية
إحذر التصوير هناك
ستلاحقك لعنةٌ مستدامة
المهم أن لاتمكث طويلاً
لابأس
عُدَّ مرة أخرى أسماء المغادربن
وسجل أنا عربي
وهكذا في جميع نصوصه التي تتحدث عن الوطن.
والدرب الثاني هو درب الرحيل حين يتذكر الموتى ( رجب الشيخ /والشيخ جبار لعيبي أبو طويج / والشهيد رضوان البيضاني…الخ) وكلٌّ له صداه وصورته في تلك القصائد حيث يقول في قصيدة ( رضوان على الأرض) :
حين صمت لسانه عطشاً
لم تقرع الأجراس
ولاصوت المآذن حزناً عليه
مات وحيداً
لم يحضر موته لا أمه ولا أبوه
لم يكن هناك سوى وهج نجمةٍ
تساقط ضوؤها.
وكثيراً ماتدخل مسألة الموت والرحيل في نصوصه، إذ يقول برمزية رائعة:
مدَّ شراعكَ
حان الرحيل
مابين الحقل والقبر حشائش يابسة
وفي قصيدة ( شوارع المدينة الصاخبة)
… ولاتخف
أصل الحكاية.. بلاء يخترق الهدوء
والموت يفرش أجنحته مرات ومرات
وفي قصيدة ( أغادر وجعي):

وأنت في عمق القبر ترقد
شاهدتك بقمة الضجر
من تراب ملأ حفرتك سريعاً
ومن رحيلنا المفروض قسراً
كنت حزناً مضافاً إلى حزني.
والدرب الثالث هو درب الاصدقاء الذين مروا في حياته وتركوا بصمتهم على روحه النقية وهم كثر، من أدباؤ وسياسيين وشعراء وشخصيات مسرحية مثل:
(فليح والسمار وسعيد والعم كاظم وقاسم وداي وفاضل خليل وبريشت… الخ) إذ يقول في أحدى قصائده:
يبدو إن الراحلين قد قطعوا
شريط الصمت الأخير
دون ضوضاء أو ضجر
لوّح بيديه (عوني كرومي)
ليقول وداعاً يا (بريشت)
وفي دربه الرابع تجد هم الحب بين نصوصه إذ يقول:
وستمر أمامنا عشرات الذكريات الطيبة
حتى التي كنا نعتقد أن لاقيمة لها
لكنها مبهرة معبرة.
وفي قصيدة (بلا أصداء) :
بلا صدى
يمر طيفكِ المتمرد
على شرفة الوجع.
هذا هو الدكتور علي لعيبي إنساناً نقياً رائعاً.. لايتكلف في كتابة نصوصه ، إذ تراه يضع النصوص المكتوبة باللهجة الشعبية حيث مكانها:
(فوح الجدة /عنوانك من اسمك مهيوب / تاريخي يحچي هذا آنه)
نعم ياأبا زينب.. إنه تاريخك المشرف وقلبك النقي يتكلم عنك .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى