جرائم «داعش» بحق الحضارة .. من المستفيد ومن المتضرر ؟!


ذوالفقار ظاهر
من منا ينسى مشاهد تدمير الآثار التاريخية والاماكن الدينية في العراق وسوريا على أيدي عناصر تنظيم «داعش» الارهابي، مشاهد كررها الارهابيون من سوريا الى العراق، من معلولا الى تدمر وصولا الى مدينة النمرود وغيرها من الاعتداءات على المقامات الدينية ومراقد الأولياء مروراً بكل محاولات طمس الحضارة والتاريخ والثقافة، انطلاقاً من هذا الفكر الإرهابي الظلامي الذي يريد تنغيص الحياة على كل الآدميين. واليوم مع انطلاق معركة تحرير الموصل، حرر الجيش العراقي والحشد الشعبي القرى في محيط الموصل التي تحتوي الكثير من المعالم الدينية الاسلامية والمسيحية، وقد أظهرت المشاهد التي انتشرت عبر وسائل الاعلام حجم التخريب والدمار الذي حلّ بالكنائس والأديرة في القرى المحررة من أيدي «داعش»، وهذا التحرير برغم كل الجهود التي بذلت لتحقيقه وعلى أهميته وضرورته للتأكيد ان الارهاب الى زوال وان هذا الفكر غير قابل للحياة، إلا انه بالتأكيد ترك نضوبا وجراحا في جسد الإنسانية والتجربة التاريخية لبني البشر التي عمرها مئات بل آلاف السنين. ولكن يبقى السؤال الأهم لماذا يعتدي هذا الفكر الارهابي وهذا العقل الظلامي بهذه الطريقة الهمجية على الثقافات والحضارات الانسانية التي هي ملك لكل البشرية ؟ لماذا يعتدون على كل هذا الوجدان الذي هو تراكم ممارسات وتجارب بين الانسان وأخيه الإنسان في هذه المنطقة المهمة والمركزية من تاريخ البشرية ؟ وما هذا الفكر التكفيري الذي يهدم كل شيء ولا يحفظ قيمة لأي شيء في هذا الكون ؟ وهل الاسلام فعلا يرفض الآخر وينبذ باقي الحضارات والديانات بهذه الطريقة ؟ أم ان الاسلام تضمن حضارة وثقافة راكمت على حضارات الآخرين من كل الأديان والثقافات؟ حول كل ذلك قال «محرر الشؤون التكفيرية» في «قناة المنار» الزميل أحمد فرحات إن «تنظيم داعش استند في تدمير الأماكن الاثرية والدينية في العراق وسوريا الى اطروحات تنم عن فهم خاطئ للدين الاسلامي وهي الافكار التي جاء بها السعودي محمد بن عبد الوهاب، الذي اعتبر ان أولى مراتب التوحيد هي إزالة مظاهر الشرك»، وتابع: «استنادا لهذه المقولة عمل داعش على تدمير هذه الآثار بحجة انها تعبد من غير الله وهذا محض افتراء لان الواقع يثبت عكس ذلك». وأشار فرحات الى ان «هذه الآثار لم تعبد على مرّ التاريخ كما يقول داعش وتأكيدا على ذلك فإن هذه الآثار كانت موجودة في فترات حكم الخلفاء وبقيت موجودة في خلال فترات الدول الاسلامية التي أعقبت فترة هذه الخلافة»، وتابع: «هذا يدل ان تدمير داعش لهذه الآثار الحضارية يتم لغايات اخرى منها تدمير الارث الحضاري في هذه المنطقة وجعلها منطقة منزوعة التاريخ خدمة لمشاريع صهيونية تدعي ان لها آثارا ما في فلسطين المحتلة»، واضاف: داعش تهدم الحضارة في دول المنطقة كي تبقى الحضارة اليهودية في فلسطين كما يدعي الصهاينة. وشدد فرحات على انه «لم يرد في الاسلام آيات قرآنية أو سنن نبوية صحيحة ومسنودة توجب هدم الآثار»، وأوضح ان «كل ما يستخدمه داعش في هذا المجال هو مجرد تفسيرات دينية مغلوطة مصدرها محمد عبد الوهاب». هذا وقد أشارت العديد من التقارير الغربية إلى ان «داعش» عمد الى هدم ما لم يستطع حمله من الآثار، بينما ما حمله من آثار تمَّ بيعه في السوق السوداء الى تجار اتراك واجانب، وهنا أكد فرحات انه «إذا كانت الغاية دينية محضة لدى داعش فكان الأولى ان يقوم بتدمير كل الآثار، لا بيع جزء منها وتدمير ما تبقى مما لم يستطع نقله». وبالإضافة الى تدمير الحضارة والأماكن الاثرية دمر «داعش» كما هو معلوم آثارا دينية تعود لأضرحة صالحين واولياء مدفونون في هذه المنطقة منذ مئات السنين، ويبدو ان الهدف من كل ذلك هو مسح اي ارتباط لأهالي هذه المنطقة بالتاريخ وجعلهم جماعات مشردة بدون هوية أو انتماء. وما يدلل على ذلك فإن «داعش» استهدف أماكن دينية لمختلف الفرق الاسلامية من السنة والشيعة بالاضافة الى استهدافه الكنائس والأديرة لدى المسيحيين، فمن جملة ما دمره هذا التنظيم الارهابي «الأضرحة الصوفية» بالاضافة الى الحسينيات وجوامع، كما ان العديد من المراجع الدينية في العالم رفضت هذه الممارسات الداعشية وفي طليعتهم الازهر الشريف الذي صدّر فتوى في 6-3-2015 حرّم فيها تدمير الآثار واعتبرها انها جريمة كبرى في العالم بأسره. ورأى فرحات ان «داعش يخدم بشكل مباشر من خلال هذه الجرائم المخططات والمؤامرات الاسرائيلية والاستكبارية الهادفة للقضاء على الحضارة والتاريخ في المنطقة العربية بما يساهم بتخلف دولها وشعوبها»، والجدير بالذكر ان القوات الاميركية وأبّان احتلالها للعراق نفذت عمليات نهب للآثار، ما يؤكد ان أداء «داعش» جاء ليكمل ما بدأه الاحتلال الاميركي من نهب وتدمير للمراكز الدينية والتاريخية وللحضارة في المنطقة. وفي هذا الإطار، لفت فرحات الى ان «العديد من التقارير الغربية تحدثت عن ان العراق تعرض لاكبر عملية نهب في التاريخ عبر سرقة وتدمير 15000 موقع اثري في المرحلة الممتدة من تاريخ بدء الاحتلال الاميركي للعراق في للعام 2003 وحتى دخول تنظيم داعش الى الاراضي العراقية». بالإضافة الى ذلك فقد انتشرت العديد من القراءات لدى الجماعات التكفيرية كـ«داعش والقاعدة» تفتي بجواز هدم قبر الرسول محمد بن عبد الله (ص) في المدينة المنورة وبالتالي هدم المسجد النبوي الشريف لانه يحتوي قبر النبي الأكرم (ص)، من هنا يجب التوقف ملياً عند كل تلك الممارسات التي باتت تغزو يومياتنا بمشاهد منفّرة تحاول تشويه صورة الاسلام وهذا الدين منها براء، ونتأكد من ذلك عندما نعرف ان الهدف هو استهداف الاسلام نفسه وقبر نبيه الكريم.



