اراء

حروب الجيل الرابع

حسن البيضاني
يعرف الجميع ان الحروب منذ أول نزاعات بشرية شهدتها الكرة الأرضية وحتى الربع الأخير من القرن العشرين شهدت ثلاثة أجيال من الحروب تمثل الجيل الأول منها بالحروب القديمة التي تقتضي استخدام الأسلحة المباشرة واعتماد القوة العضلية كجزء حيوي ومهم فيها برغم تطورها لاحقا الى استخدام بعض الأساليب التكتيكية واعتمدت هذه الحروب على الخنادق والخطوط المنتظمة وانتهى هذا الجيل مع ظهور عنصرين حيويين في المعارك وهما الدبابة والطائرة اللذان منحا الحرب بعدا اكبر واتسعت مساحة الصراع وازدادت القوة النارية وباتت الأفكار اكثر أهمية من القوة الجسمانية في الحرب اعقب ذلك الجيل الثالث من الحروب والمتمثل بولادة الأسلحة ذات التدمير الشامل إضافة الى بروز المناورات بالمستوى السوقي كسمة مهمة من سمات الحرب والتي جعلت الصراع يتخذ بعدا جيوستراتيجيا أكثر بكثير من بعده السوقي (الاستراتيجي المعتاد) وبرغم ان ليدل هارت وفولر و حتى اميل وانتي كانوا يتصورون بان هذا الجيل هو الخاتمة لأجيال الحروب وان التطور سيحصل فقط في الاستخدام الذكي للمبتكرات التقنية . إلا ان نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي اعلن ولادة جيل جديد من أجيال الحروب اطلق عليه تسلسلا الجيل الرابع . كثر الحديث عن طبيعة هذا الجيل واطلقت مسميات مختلفة على حروبه ويمكن اعتبار مسمى (الحروب اللامتماثلة) هو المسمى الأكثر انطباقا . لا اريد ان اثقل على القارئ الكريم في بيان الدوافع والأسباب التي أدت الى بروز هذا الجيل بشكل يكاد ان يكون غير متوقع خاصة في ظل الثورة التقنية الهائلة. ولكن سأكتفي في هذا المقال البسيط فقط بإيضاح ملامح وخصائص حروب هذا الجيل علني استطيع لاحقا استكمال ما بدأت به لبيان دوافع الظهور والمتوقع مستقبلا من هذه الحروب وكيف ستدار ومن يتحكم بها وغيرها من التساؤلات التي بدأت تثار هنا وهناك حول هذا الموضوع الشائك . في البدء لابد من الإقرار على ان حروب الجيل الرابع هي حروب ذات طابع فوضوي غير مركزي حيث فقدت الدول احتكارها للحرب وباتت تقاتل كيانات ليست لها سمات واضحة , كما انها تتسم بعدم وجود خطوط مواجهة واضحة ومعلومة وان وجدت فلفترات محددة , الإرادة والمعنويات فيها لها الغلبة ومقاييس القوة ليست هي ذاتها فربما قوة ضعيفة بإمكانها تحقيق نصر على أعتى قوة. كما ان مستويات الحرب الثلاثة والمتمثلة بالمستوى السوقي ولعملياتي والتعبوي قد أصابها التخبط فقد تكون مواجهة بمستوى ادنى من التعبية ذات تأثير على مجرى الحرب بمستواها السوقي , وهنالك وجهات نظر متناقضة حول ماهية هذه الحرب فالبعض من الرافضين لها يجدوها لا تتعدى حروبا تقليدية ترتدي عباءة القتالات الخاصة حيث حرب العصابات والادغال والانصار ومكافحة التمرد وما شابه ذلك في حين يجد المناصرون لها بانها وبرغم ايقاعها الميداني المتصاعد من حيث التأثير إلا انها تنسحب بمفاعيلها ونتائجها لتوثر على عموم حركة المجتمع الذي يخوضها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا كما ان للأيديولوجيا والتنوع الديمغرافي والاثني تأثيرات كبيرة على مساراتها في ذات الوقت الذي دخل فيه عنصر لم يكن محسوبا سابقا يتمثل في وسائل الاتصال الاجتماعي بواسطة (الانترنت) كعنصر حاكم ومؤثر وحيوي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى