ترامب على خطى نتنياهو.. قانون الغاب من غزة إلى كاراكاس

بقلم: آسيا العتروس..
علينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها دون مراوغة فما قام به ترامب في كاراكاس عدوان عسكري غير مشروع وخارج إطار القانون الدولي على بلد له سيادته وموقعه في المنظمات الدولية، لا خلاف أن ما أقدمت عليه إدارة ترامب في فنزويلا واختطاف رئيسها مادورو وزوجته تحت جنح الظلام عمل لا تُقدم عليه إلا دولة مارقة تمرغ القانون الدولي وتدوس على ما بقي من شرعية دولية وهي لا تختلف في شيء بل هي في تطابق وتناسق مع ما يقوم به رئيس وزراء كيان الاحتلال الاسرائيلي نتنياهو مجرم الحرب المطلوب للجنائية الدولية من غزة الى الضفة ولبنان وسوريا وقطر واليمن وإيران ولا عجب أن يكون أول المرحبين والمهنئين لترامب الذي وصفه بزعيم العالم الحر.. وهي عملية ستكون لها حتما تداعياتها الخطيرة سياسيا وأمنيا بل بمثابة الإشارة التي تنتظرها بعض القوى المتفوقة عسكريا لتكرارها في المعابر المائية الاستراتيجية.. لم يشفع لمادورو كغيره من الحكماء الذين أسقطتهم الطائرات الامريكية حضورُهُ سنويا لإلقاء خطابه في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لم يجد ترامب أفضل من اختطاف رئيس فنزويلا لاستباق الانتخابات النصفية وكسب هذا الرهان واستعادة ثقة أنصاره وجماعة ماغا , لكن أيضا لطي صفحة أبستين وتحويل اهتمام الرأي العام الامريكي عن هذا الملف الخطير …صمت أوروبا مع بعض الاستثناءات اذا أخدنا بعين الاعتبار الموقف الإسباني الذي ندد باختطاف الرئيس الفنزويلي تعكس تراجع وانشطار الموقف الاوروبي في واحدة من المسائل المرتبطة بالقيم والمبادئ الكونية التي قامت عليها العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية وميثاق الامم المتحدة..
ومن هذا المنطلق وبعد الخروج من دائرة الصدمة والترقب لقراءة المشهد في فنزويلا وفي الكاريبي فقد كان لا بد من انتظار الندوة الصحفية للرئيس الامريكي دونالد ترامب ليس لفهم مبررات عملية الاختطاف التي قامت بها أجهزته للرئيس الفنزويلي في القصر الرئاسي والتي لا مبررلها في منطق الدبلوماسية ولكن لنعرف مصير مادورو وما حدث له بعد اختطافه من قبل قوات دلتا الامريكية مع زوجته من القصر الرئاسي بكاراكاس ورد فعل الشارع الفنزويلي , نقول كان لا بد من انتظار ما يقوله ترامب لعدة أسباب وأولها أن ترامب نفسه من أعلن منصة تروث سوشيل truth social عن العملية ليلا على موقعه دون أي تفاصيل وهو أيضا من أعلن عن الندوة الصحفية في هذا الشأن وهو أيضا من سيقوم بنشر أول صورة لرئيس فينزويلا المختطف، بمعنى أن الرئيس الامريكي السابع والاربعين سيستثمر في الحدث داخليا وخارجيا للترويج لعمل بطولي تأريخي دفاعا عن الامن الامريكي ولن يمنح أحدا غيره فرصة تبني ما حدث والتباهي به.
وهكذا استمر التعتيم ومعه استمر التشويق واستمرت التأويلات والقراءات والتساؤلات حول مصير الرئيس مادورو الذي التقى قبل ساعات من اختطافه المبعوث الصيني.. وبالفعل ظهر ترامب وهو يكشف بعض تفاصيل العملية ويشكر القوات الامريكية المشتركة التي قامت بعملية الإنزال في قصر مادورو, قد حاول ترامب طوال ساعة كاملة تسويق كل المبررات التي لديه وتصوير العملية على أنها لم تستهدف رئيس بلد مستقل ذي سيادة بل استهدفت زعيم عصابة متورط في إرهاب المخدرات، وأن مهمته حماية مصالح بلاده واستعادة النفط الذي حرمت منه الشركات الامريكية معلنا بالتالي أن فنزويلا ستكون تحت الوصاية الامريكية وأن داعميه في هذه العملية سيسيرون هذا البلد ويقودون عملية الانتقال الديموقراطي معتبرا في ردوده أن الفائزة بجائزة نوبل للسلام المعارضة كورينا ماتشادو لا تحظى باحترام شعب فنزويلا ولا يمكن أن تتولى رئاسة المرحلة الانتقالية ..
ترامب لم يفوت الفرصة خلال الندوة لتوجيه أكثر من رسالة تحذير الى كل من يتجرأ على استفزاز أمريكا والتعرض لمصالحها والاطراف المستهدفة بوضوح حسب تصريحات ترامب أو وزير خارجيته روبيو كوبا وكولومبيا وإيران.. استحضار عقدية أو وثيقة مونرو Doctrine of Monroe وأساسها تعزيز استعادة أمريكا الهيمنة على النصف الغربي للكرة الارضية والتي كان جيمس مونرو الرئيس الامريكي أعلنها لتحديد توجهات السياسة الخارجية الامريكية في 1823..
إلا أن هذا المبدأ الذي كان يمنع عودة هيمنة الامبراطوريات الاوروبية مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا سيتم تأويله واعتماده لتعزيز التدخل العسكري الامريكي في أمريكا اللاتينية بدعوى منع الفوضى في المنطقة ..
الاكيد أن العالم يطوي نهائيا صفحة نظام دولي أعرج ولكنه كان يوفر الحد الادنى من استقرار العالم وفتح برميل بارود عنوانه قانون الغاب.. شهية ترامب للدوس على الاوطان والشعوب بدعوى استعادة عظمة أمريكا لن تتوقف عند هذا الحد فحيثما فاحت رائحة النفط والغاز سينزل قواته وهو لايخفي تطلعاته بل يكشفها بوقاحة غير مسبوقة يريد ضم كندا ويريد غرينلاند ويريد غزة ويريد الجولان السوري ومن يدري أين يمكن أن تتوقف أطماعه ونزواته التي يستحضرها من حليفه نتنياهو.. هل يمكن أن نتوقع بعد هذا المشهد الهوليودي السريالي موقفا أو دورا للامم المتحدة أو نعول على ميزان العدالة الدولية؟ لا نعتقد ذلك ترامب لا يخفي موقفه من المنظمة الدولية ومؤسساتها التي يريد إلغاءها من المشهد وإلغاء القانون الدولي معها وإعلان القانون الامريكي بديلا لها وهو يريد تطويع الشعوب وترويض الحكومات لتكون يده العابثة حيثما شاء.. نعم نحن في عالم لامكان فيه للضعفاء عالم يصادر أحلام وثورات المستضعفين ويحول الثروات والثورات والنفط الى لعنة على الشعوب… وقبل الرهان على قلب هذا الواقع سيكون من المهم أيضا قراءة موقف الرأي العام الامريكي والنخب الامريكية إزاء هذا التمشي لفرض قانون الغاب، تحقيق ثورة فكرية قوامها العلم والتكنولوجيا والتفوق المعرفي وضمان التقدم العسكري وبعد الاستعراض الحاصل في فنزويلا سيكون من الطبيعي أن يتنافس العالم أكثر فأكثر على الوصول الى السلاح النووي بأي ثمن كان.



