الإخوة الأعداء.. السعودية والإمارات

بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني..
عندما شنت القوات السعودية حربها على اليمن في شهر آذار عام 2023 لقطع الطريق على الاتفاق بين الرئيس عبد الله صالح آنذاك والحوثيين كانت الإمارات العربية المتحدة شريكا رئيسا في الحرب تحت القيادة السعودية بينها وبين حكومة أنصار الله في صنعاء. وقد أظهرت الاحداث على الأرض انخراط الرياض وأبو ظبي في تنافس على النفوذ والسيطرة على اليمن خلال السنوات الماضية والهدف كان سعي البلدين الى تقسيم اليمن للسيطرة على موارده الطبيعية وخاصة النفط والمناطق الزراعية الى جانب موانئه الاستراتيجية واستخدامها لتصدير النفط والغاز الخليجي عبر أنابيب تمتد من السعودية الى هذه الموانئ.
وبينما كانت السعودية تسعى الى الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية واستعادة النفوذ الذي خسرته كانت الامارات من دعاة فصل جنوب اليمن عن شماله وإقامة دولة جنوبية موالية لها. ومنذ بداية الحرب فرضت الامارات احتلالا على الجزر المحيطة بجنوب اليمن وأهمها جزيرة سقطرى وعرضت على سكانها الحصول على الجنسية الإماراتية وذكرت بعض الصحف أنها سمحت للكيان الصهيوني بإقامة قواعد عسكرية تجسسية في تلك الجزيرة.
هذا التنافس بين المصالح والاهداف السعودية والاماراتية بدأ يأخذ طابعا أكثر حدية في الأسابيع القليلة الماضية عندما بدأت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الموالية للإمارات التقدم في اليمن وخاصة في محافظة حضرموت تحت حجة القضاء على المجموعات الإرهابية وخاصة من حزب الإصلاح اليمني وهو حزب الإخوان المسلمين المدعوم من قبل السعودية.
لا يمكن إنكار الأهمية الاستراتيجية لحضرموت، فهي أكبر محافظات اليمن، وموطن معظم نفطها، وتضم موانئ رئيسة. وقد جعلها هذا ساحة صراع بين الرياض وأبو ظبي، وأصبحت هذه المحافظة ساحة لتغير موازين القوى السعودية الإماراتية. وهذا التقدم لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي دعا السعودية الى إعلان النفير حيث استدعت القبائل اليمنية في المنطقة الى جانب قوات حماية حضرموت الموالية لها بالتصدي الى القوات الموالية للإمارات في محاولة لمنعها من السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية.
وقد لخص الصحفي والناشط الحقوقي ماهر الشامي ما يدور في هذه المحافظة بما يلي: “ما يحدث اليوم في محافظة حضرموت ليس نزاعًا محليًا عابرًا أو خلافًا قبليًا، بل هو امتداد مباشر للصراع السعودي الإماراتي على الأراضي والموارد اليمنية”. ويضيف أن التحركات العسكرية والأمنية للفصائل والميليشيات المرتبطة بالتحالف “تهدف إلى فرض السيطرة على النفط والثروات البحرية، وتحويل المحافظة إلى قاعدة نفوذ تُمكّن الرياض وأبو ظبي من توطيد سيطرتهما في الجنوب والشرق”. ويوضح الشامي أن هدف هذه المشاريع الخارجية هو “فرض مشروع التقسيم لتفكيك اليمن وإضعاف قدرته على المقاومة”.
يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي الآن عملياً على جميع الأراضي التي تشكل الدولة الانفصالية التي يطمح إلى تشكيلها على طول حدود جمهورية اليمن الديمقراطية الجنوبية قبل عام 1990 عندما قامت القوات الشمالية في عهد الرئيس عبد الله صالح بغزو جنوب اليمن وضم أراضيه وتوحيد طرفي اليمن بالقوة تحت رئاسته. وتسيطر الان قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على العاصمة الجنوبية عدن وعلى القصر الرئاسي والمحافظات الجنوبية بعد أن تم انسحاب القوات الموالية للسعودية من الجنوب وتمركزها على الحدود.
وفي تطورات خطيرة للغاية اشارت بعض وسائل الاعلام العبرية مؤخرا إلى أن قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي قد تواصلت مع الكيان الصهيوني وتعهدت بالاعتراف بإسرائيل في حال تحقق هدفه بإقامة دولة انفصالية مستقلة في جنوب اليمن والذي من شأنه تعزيز اجندة مشتركة بين الجانبين. ووفقا لهيأة الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلية (كان) أن المجلس الانتقالي الجنوبي يحتاج إلى دعم إسرائيلي في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية لتشكيل “دولة جديدة”، مؤكداً أن البلدين يشتركان في “أعداء مشتركين”. ومن الواضح ان أنصار الله وإيران هما المقصودين بهذا الكلام. وهذا نفس الكلام والمنطق الذي نطق به أبو محمد الجولاني موجها حديثه للكيان الصهيوني عن وجود “أعداء مشتركين”. وكشف التقرير (كان) أيضاً أن المجلس الانتقالي الجنوبي أرسل مندوبين للقاء مسؤولين إسرائيليين مؤخراً، وناقشوا “قضيتهم المشتركة” مع تل أبيب ولا شك ان الامارات لعبت دورا أساسيا في هذا. وهذه ليست أول حركة انفصالية في دولة عربية تطلب مساعدة الكيان الصهيوني في مساعيها للانفصال فما زلنا نذكر حركة انفصال جنوب السودان التي كانت تزود بالأسلحة والتدريب من إسرائيل.
وأخيرا نود التنويه بأن هذا الصراع بين الاخوة الأعداء لا ينحصر في اليمن فقط، بل يمتد الى على مساحات واسعة في المنطقة من السودان الى مصر الى ليبيا الى الصومال وغيرها وحتى الى خارج الإقليم. وتقوم كلتا الدولتين بإنفاق المليارات من الدولارات من اجل النفوذ واستعراض العضلات التي تؤدي نتائجها الى مزيد من تمزيق الوطن العربي وإضعافه وجعله لقمة سائغة للمخططات والمطامع الصهيو-أمريكية في المنطقة وتبديد مقدرات كان من الممكن توظيفها في إحياء نهضة على مستويات متعددة اقتصادية وتجارية وصناعية وعسكرية وعلمية وتكنولوجية في الوطن العربي ليصبح تكتلا وازنا وفاعلا جمعيًّا على الساحة الدولية.



