اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

آفة الفساد تنخر قطاع الاتصالات وتكبد الخزينة خسائر مالية ضخمة

في ظل اتساع بيع سعات الإنترنت التجارية


المراقب العراقي / أحمد سعدون..
أعادت وزارة الاتصالات فتح أحد أكثر ملفات الفساد تعقيداً وحساسية في البلاد، بعد إعلانها تفكيك شبكة متورطة ببيع سعات الإنترنت التجارية بشكل غير قانوني لأكثر من عشرة آلاف وحدة سكنية، في خطوة كشفت جانباً من حجم التجاوزات التي تنخر قطاع الاتصالات منذ سنوات طويلة وتكبد خزينة الدولة خسائر مالية ضخمة.
وبحسب الوزارة، فإن الشركات المتورطة كانت تُعيد توجيه وبيع سعات الإنترنت المخصصة للأغراض التجارية وغير المنزلية إلى المواطنين على أنها اشتراكات منزلية، عبر فواتير غير رسمية وآليات عمل خارج الأطر القانونية المعتمدة، وتمثل هذه العملية شبكة واحدة فقط من بين عشرات الشبكات المخالفة التي تم رصدها وتخضع حالياً لإجراءات المتابعة والتفكيك.
وأكدت الوزارة أن بعض الشركات المخالفة عمدت إلى قطع خدمة الإنترنت بشكل مفاجئ عن آلاف المشتركين فور بدء إجراءات الملاحقة، في محاولة لإخفاء آثار المخالفات والتجاوزات المرتكبة، مشيرة إلى أن عمليات القطع تلك جرت من دون أي أوامر أو تعليمات رسمية صادرة من الجهات المختصة.
وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم الهدر الكبير الذي يتعرض له هذا القطاع الحيوي، إذ قدرت وزارة الاتصالات القيمة المالية المهدورة نتيجة عمليات الفوترة غير الشرعية بما يقارب 200 مليار دينار عراقي سنوياً، في وقت يستفيد من هذه الشبكات أكثر من مليون ونصف المليون مُستخدم خارج إطار التسجيل الرسمي للدولة.
ويرى مختصون أن ما جرى الكشف عنه ليس سوى جزء من مشكلة أعمق تعاني منها منظومة الاتصالات العراقية منذ عام 2003، حيث تحول قطاع الإنترنت والاتصالات إلى بيئة خصبة للفساد والتهريب والتجاوزات الإدارية والمالية، الأمر الذي انعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين رغم الإنفاق الحكومي الكبير الذي شهدته الوزارة خلال السنوات الماضية.
وأشاروا الى أن شبكات تهريب الإنترنت تطورت بمرور الوقت لتصبح منظومة اقتصادية موازية تعمل خارج القانون، مستفيدة من ضعف الرقابة وتعدد الجهات المتداخلة في إدارة هذا الملف وأدى ذلك إلى انتشار آلاف الاشتراكات غير المسجلة رسمياً، ما حرم الدولة من إيرادات كبيرة كان يمكن أن تسهم بتطوير البنية التحتية للاتصالات وتحسين مستوى الخدمات.
ويشير خبراء في قطاع الاتصالات إلى أن ظاهرة الإنترنت غير الشرعية لا تقتصر على الشبكات الأرضية فقط، بل تشمل أيضاً انتشار خدمات الإنترنت الفضائية، ولا سيما منظومة “ستارلنك”، التي يلجأ إليها بعض المستخدمين للحصول على خدمات أفضل، في ظل تراجع مستوى الخدمات المحلية، مبينين أن توسع استخدام هذه الخدمات خارج الأطر التنظيمية يحرم الدولة من فرص تنظيم القطاع والاستفادة من العوائد المالية المترتبة عليه.
بدورها أكدت عضو لجنة النقل والمواصلات النيابية سمية الحلفي في حديث لـ”المراقب العراقي” أن “ملف الفساد في قطاع الاتصالات والإنترنت ما زال يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة، في ظل استمرار وجود شبكات وممارسات غير قانونية تسببت بهدر أموال عامة كبيرة وأثرت بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ، مبينة أن هذا الملف يحظى باهتمام خاص خلال الدورة البرلمانية الحالية نظراً لارتباطه بحياة ملايين العراقيين وبأحد أهم القطاعات الخدمية والاقتصادية في البلاد.
وأوضحت الحلفي أن “مجلس النواب مارس دوره الرقابي بصورة مستمرة من خلال استضافة المسؤولين المعنيين ومتابعة الإجراءات الحكومية الخاصة بتنظيم قطاع الاتصالات ومكافحة التجاوزات، كما تم فتح ملفات تحقيقية ومناقشة تقارير رسمية للكشف عن مكامن الخلل ومتابعة تنفيذ القرارات والإجراءات الهادفة إلى الحد من عمليات الفساد وتهريب سعات الإنترنت التي تسببت بخسائر مالية كبيرة للدولة.”
وبينت الحلفي أن “مكافحة الفساد في قطاع الاتصالات لا يمكن أن تتحقق بقرار منفرد أو إجراء محدود، وإنما تتطلب تكاملاً حقيقياً بين السلطات التشريعية والتنفيذية والأجهزة الرقابية والقضائية، مؤكدة أن نجاح أي حملة إصلاحية مرهون بوجود تنسيق مؤسسي يضمن كشف المخالفات ومحاسبة المتورطين وحماية المال العام، بما يُسهم بتطوير القطاع وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين”.
وفي وقت تواصل فيه وزارة الاتصالات حملاتها لملاحقة الشبكات المخالفة، تبقى الأنظار متجهة نحو قدرة الحكومة على تفكيك شبكات الفساد المتغلغلة داخل هذا القطاع الحيوي، وتحويل ملف الاتصالات من مصدر للهدر المالي والتجاوزات إلى مورد اقتصادي مهم يُسهم بتعزيز موارد الدولة وتحسين مستوى الخدمات المُقدَّمة للمواطن العراقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى