اراء

الاتفاق المرتقب.. لا بديل عن هرمز اقتصادياً

بقلم: يحيى الصادق..

أياً كانت صيغة البند المتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، فإن الاتفاق المرتقب توقيعه بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لا يُرسِّخ أهمية المضيق بالنسبة إلى سلاسل الإمداد العالمية فقط، وإنما يؤكد أيضاً أنْ لا بديل حيوياً آخر يمكن أن يحل محل مضيق هرمز مهما كانت الأفكار والمشاريع المطروحة عملية واقتصادية.

وهذا استنتاج لا ينطلق من انحياز للجانب الإيراني في معركته ضد العدوان الأميركي-الإسرائيلي كما قد يفسره البعض، وإنما من حقائق جغرافية، سياسية، اقتصادية، وتأريخية.

إذ لا يكفي الحديث عن وجود بديل للاطمئنان أو المباشرة بإجراء تغييرات هيكلية تعيد ترتيب أوراق دول المنطقة سياسياً واقتصادياً، فماذا لو كان هذا البديل غير مُجدٍ اقتصادياً؟ وماذا لو كانت مخاطره المستقبلية عالية أو لنقل إنها ليست بالقليلة؟

في مقاربة ملف مضيق هرمز وبدائله لا بد من التوقف عند ثلاثة ملفات أساسية مترابطة مع بعضها البعض، أولها ملف الوقت، إذ إن مشاريع الربط الإقليمية المقترحة، سواء كانت ضمن منطقة الخليج أو من الخليج باتجاه شواطئ المتوسط، تحتاج إلى وقت ليس بالقليل لتوضع في الخدمة.

ثاني الملفات يتعلق بالجدوى الاقتصادية للبدائل والمشاريع المقترحة، والتي تحتاج أولاً إلى ضخ استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات لإنجازها، وثانياً إلى تحمّل رسوم عبور سنوية ترتبط قيمتها بعدد الدول التي تشملها تلك المشاريع، وبمراحل التصدير من البر إلى البحر، أو فقط بالبر.

وهذه المشاريع قد تكون مقبولة في حالات انعدام خيارات أخرى أكثر جدوى اقتصادية من حيث كلف التشغيل والنقل، لكن ماذا لو عاد مضيق هرمز إلى سابق عهده بعد توقيع الاتفاق؟ هل هناك حكومات ستغامر بإنفاق مليارات الدولارات على مشروعات لم تعد بالجدوى نفسها بعد إعادة فتح هرمز؟

ثالث الملفات يتعلق بالمخاطر السياسية التي تحيط بالمشاريع والبدائل الأخرى المقترحة من قبل بعض دول المنطقة والولايات المتحدة الأميركية. صحيح أن هذه المخاطر هي أقل مقارنة بما تواجهه حالياً حركة الملاحة في المضيق منذ نهاية شهر شباط الماضي، إلا أنها مع ذلك تبقى قابلة للاشتعال.

فمثلاً حركة الملاحة عبر باب المندب يتهددها تبعات الحرب على اليمن منذ عدة سنوات، والتدخل الإقليمي والدولي في الشؤون الداخلية لهذا البلد من جهة، وبتطورات المواجهة لمحور المقاومة مع “إسرائيل” من جهة ثانية. كذلك فيما يتعلق بمشاريع الربط التي يجري الحديث عنها بين شواطئ المتوسط ومنطقة الخليج، فالأوضاع الأمنية غير المستقرة في سوريا مثلاً جراء استمرار خطر تنظيم “داعش” والمشاكل الداخلية في هذا البلد، إضافة إلى العامل الإسرائيلي الرافض لتحييد موانئ الأراضي المحتلة عن أي مشروع ترانزيت متوسطي، جميعها بواعث لشكلٍ مَّا من نشوء المخاطر وتطورها.

قد يسأل البعض، وهو مُحقٌّ في ذلك: ألم تكن هناك سابقاً خطوط أنابيب لتصدير النفط السعودي والعراقي عبر الموانئ السورية واللبنانية؟ وما الذي يمنع العراق اليوم من مد أنبوب جديد بسعة كبيرة بموازاة الأنبوب الحالي لتصدير معظم إنتاجه النفطي عبر ميناء جيهان التركي والاستغناء عن هرمز؟

هناك فرق بين تسويق المشاريع على أنها بدائل استراتيجية لترويج سرديات سياسية شعبوية، فيما هي في حقيقة الأمر مشاريع تفرضها عادة متغيرات اقتصادية مثل تركيبة الأسواق المستهدفة وتوزعها الجغرافي وتقليل المخاطر. فمثلاً عندما صدرت الرياض جزءاً من نفطها عبر خطوط التابلاين الشهيرة ألم تكن تستهدف بتلك الصادرات أسواق الغرب؟ آنذاك أيضاً ظلت الكمية الأكبر تصدر عبر مضيق هرمز. وكذلك العراق اليوم. ولذلك، إذا لم تكن المشاريع الجديدة تخدم أهدافاً اقتصادية جديدة فهي ستكون أقل جدوى.

باختصار.. خلال الفترة الماضية، حاولت الإدارة الأميركية تسويق مجموعة من الأفكار المتعلقة بإمكانية وجود بدائل حقيقية لمضيق هرمز، مستهدفة تحويل نظر الرأي العام العالمي عن حربها التي تسببت بإغلاق مضيق هرمز، محاولة ممارسة ضغط نفسي على إيران للتقليل من أهمية ورقة المضيق وتأثيرها على الأسواق العالمية. والعديد من حكومات المنطقة اقتنعت بهذه الرواية، ليس من منظور أن هذه المشاريع يمكن أن تُسهم بتنويع التوزع الجغرافي لصادراتها، وإنما التعامل معها كبدائل حتمية ومحاولة الاستفادة من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية والتجارية، والمثال الأوضح على ذلك تركيا.

عندما سيتم التوقيع رسمياً على الاتفاق بين طهران وواشنطن وتتوضح بنوده الأساسية، لا سيما المتعلق منها بوضع مضيق هرمز، فإن العديد من الأفكار والمشاريع التي روج لها، ورسمت لها خرائط، وأعدت لها تكاليف، سيكون مصيرها إلى الإدراج، إلا إذا كانت واشنطن تريد توفير جبهات عمل جديدة لبعض شركاتها وإعادة توجيه صادرات نفط الخليج بعيداً عن الصين وشرق آسيا، فإننا سوف نشهد استمرار الحديث عن بعض من تلك المشاريع وتضخميها، وربما يسير بتنفيذ بعضها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى