النزوح النفسي والاجتماعي للعلويين.. أزمة إنسانية وهويات مهدورة في لبنان

بقلم: الدكتور حسن مرهج..
تعيش الطائفة العلوية المهجرة من الساحل السوري إلى لبنان، واحدة من أعقد التجارب الإنسانية التي تتداخل فيها أبعاد الحزن العميق والانتهاكات المستمرة، والانتقال القسري من مأمن إلى مجهول، إنها ليست مجرد قصة نزوح، بل محطة تحمل في طياتها، معاناة سياسية واجتماعية وثقافية تشكل، سرداً يعكس هشاشة الأمان وقصر الدعم الإنساني، ويتيح قراءة نقدية للأدوار الدولية والمحلية في حماية حقوق هذه الفئة.
هذه المهمة الإنسانية التي فُرضت على العلويين لا تقتصر على إحصائية أو معطى بشري، بل تكشف عن أزمة منظومة الحماية، وتعكس ضرورة إعادة صياغة استراتيجيات الحماية للسكان المهجرين في ظل تحديات معقدة تحكم واقعهم في لبنان.
يواجه العلويون المهجَّرون من الساحل السوري إلى لبنان، واقعاً إنسانياً قاسياً يعكس أبعاد معقدة ومتعددة التداخل. اضطر هؤلاء إلى الفرار من مناطقهم تحت وطأة المجازر والاعتداءات التي استهدفتهم، ما فرض عليهم النزوح قسرًا، حاملين أعباء فقدان الأرض والأمان في آنٍ معاً. في لبنان، يدرك المهجَّرون، أن حياتهم اليومية لا تنفصل عن معاناة اقتصادية حادة بسبب غياب فرص العمل الملائمة للمهارات التي يمتلكونها، مما سيدفع بالكثير منهم إلى العمل في ظروف غير مستقرة أو حتى في سوق العمل غير الرسمي بظروف استغلالية.
يتفاقم وضعهم بسبب ضعف الدعم الاجتماعي والاقتصادي في بيئة تهدد الاستقرار النفسي والجسدي، فالعيش في مكان يحاولون اعتباره ملاذاً مؤقتاً، يتحول مع الوقت إلى نمط حياة هشّ يفتقر إلى مرجعية للحماية أو بوادر استقرار حقيقي. يشعر المهجَّرون بالضياع والحرمان، وليس فقط من مقومات الحياة الأساسية، بل من أفق يضمن لهم حقوقهم الإنسانية وينصف معاناتهم، إذ لا تتوفر لهم، آليات فعالة لإعادة بناء حياة كريمة وحماية كرامتهم في ظل غياب تام لمعظم المساعدات طويلة الأمد.
ومن جانب الدعم الدولي، يبرز فراغ واضح في دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي كان من المفترض أن تلعب، دوراً مركزياً في توفير الحماية الطبية والتعليمية والاقتصادية، إلى جانب الحماية القانونية للاجئين الذين هربوا من خطر سلطات الجولاني إلى لبنان. هذا الفراغ يطرح تساؤلات كبيرة حول قدرة النظام الدولي على ضمان سلامة وحياة هذه الفئة المحرومة، ويحفز التشكيك في نوايا الجهات المعنية بخصوص توفير حد أدنى من الدعم.
لقد تحولت تجربة العلويين المهجرين من المناخ الأمني الذي كان سائداً في الساحل إلى بيئة غريبة عليها تعاني أزمات داخلية وأزمات لجوء معقدة. ويضاف إلى ذلك بُعد نفسي عميق، إذ تحمل هذه الجماعة على كاهلها ظل جرح نزوحهم وفقدانهم مكانهم، وما رافق ذلك من كرامة مهدورة وشعور مستمر بالخطر وعدم الانتماء. في ظل عدم وجود استراتيجيات واضحة تعيد لهم حقوقهم، يظل السؤال مفتوحاً حول كيفية الخروج من هذه الحلقة المفرغة التي تعيشها المجتمعات المهجّرة.
إن المعاناة الإنسانية التي يعيشها العلويون المهجَّرون ليست مجرد أرقام أو حالات نزوح، بل مدرّس قاسٍ يفرض علينا إعادة النظر في منظومة الحماية الدولية والمحلية تُجاه هذه الفئات التي تحملت ما يفوق قدرتها. الفرص الضائعة، والسقف المنخفض للدعم، والغياب الواضح للحلول المستدامة، كلها عوامل جعلت من الحياة في لبنان، بالنسبة لهؤلاء، اختباراً مزمناً لتحدي الأزمات المستمرة في غياب أي تعهد دولي قوي بالحقوق الإنسانية والكرامة.
من المهم التأكيد على أن معاناة النازحين العلويين تتسع لتشمل مناطق الجنوب اللبناني أيضاً، حيث لم تقدم بعض المناطق والجهات المحلية الدعم الكافي للعلويين المهجرين الهاربين من الساحل. وهذه الإشارة تعزز فكرة، أن التحديات الإنسانية ليست لها حدود جغرافية داخل لبنان وحده، بل تتسع لتشمل تفاوتاً في الاستقبال والتكافل بين مختلف المناطق والبلديات. من ثم تتفاقم قضايا الحماية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية عندما تغيب شبكة دعم موحدة وتتحول الاستضافة إلى عبء إضافي على العائلات النازحة.
إن المعاناة التي يعانيها العلويون المهجّرون تتجاوز حدود النزوح واللجوء إلى مفاصل حياة يومية ملؤها التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وسط غياب واضح لفهم جماعي للوضع وحلول مستدامة. هذا الواقع المأساوي يدعونا إلى إدراك أن حماية هذه الفئة وإعادة تأهيلها يتطلبان تحركاً ديمقراطياً شمولياً يُعيد الاعتبار لحقوق الإنسان والكرامة، ويصوغ شبكة دعم متكاملة تشمل مؤسسات دولية ومحلية فاعلة. دون ذلك، ستظل معاناة المهجّرين مستمرة في دائرة مفرغة من الضياع والحرمان، في وقت يحتاج فيه لبنان والمنطقة إلى مقاربات إنسانية سياسية تتجاوز حدود العجز والضعف.



