خصخصة الكهرباء تغدر المواطنين بعد تخليهم عن المولدات الأهلية

في ظل الارتفاع الحاد بدرجات الحرارة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
مع تصاعد درجات الحرارة ودخول العراق ذروة فصل الصيف، عادت أزمة الكهرباء إلى واجهة المشهد الخدمي، في عموم العراق وبالخصوص المناطق التي شملتها مشاريع خصخصة الطاقة الكهربائية، والتي كانت تقدم لسنوات باعتبارها الحل الأمثل لإنهاء معاناة المواطنين مع الانقطاعات المستمرة.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المنظومة الوطنية تراجعاً في ساعات التجهيز نتيجة انخفاض إنتاج الطاقة بسبب توقف بعض إمدادات الوقود والغاز المستورد، برزت شكاوى متزايدة من سكان المناطق المشمولة بمشاريع الخصخصة في بغداد، ولا سيما المنصور والحارثية وزيونة وجميلة، الذين أكدوا أن واقع الخدمة لا ينسجم مع الوعود التي رافقت إطلاق المشروع، رغم المبالغ المالية التي تستوفى منهم شهرياً.
وقال عدد من المواطنين، إنهم فوجئوا خلال الأسابيع الأخيرة بتكرار حالات انقطاع التيار الكهربائي لساعات طوال، الأمر الذي تسبب بمعاناة كبيرة للعوائل في ظل الارتفاع الحاد بدرجات الحرارة، مؤكدين، أن المشكلة ازدادت تعقيداً بعد اختفاء المولدات الأهلية من مناطقهم نتيجة تطبيق مشروع الخصخصة الذي كان يفترض أن يكون البديل الكامل عن تلك المولدات.
وأشار المواطنون إلى أن الشركات الاستثمارية المسؤولة عن إدارة التوزيع كانت قد وعدت بتوفير خدمة مستقرة على مدار 24 ساعة، مقابل التزام المشتركين بدفع الأجور المقررة، إلا أن الواقع الحالي يكشف عن وجود انقطاعات متكررة وانخفاض في مستويات التجهيز خلال أوقات الذروة، ما أثار حالة من الاستياء والغضب بين السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام أزمة مزدوجة تتمثل بضعف تجهيز الشبكة الوطنية وغياب البدائل المحلية.
ويرى مراقبون، أن تجربة الخصخصة واجهت اختباراً حقيقياً مع أول أزمة كبيرة في منظومة الإنتاج الوطني، حيث أظهرت التطورات الأخيرة، أن قدرة الشركات الاستثمارية على ضمان استمرارية الخدمة تبقى مرتبطة بحجم الطاقة الواصلة إليها من الشبكة الوطنية، وهو ما جعل وعود التجهيز المستمر تصطدم بواقع نقص الإنتاج وارتفاع الطلب خلال فصل الصيف.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي صالح مهدي الهماش في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “وزارة الكهرباء أخفقت في تحقيق الأهداف المعلنة من مشروع خصخصة الكهرباء، معتبراً أن المشروع لم يسهم في زيادة الإنتاج أو معالجة جوهر أزمة الطاقة في البلاد، بل اقتصر دوره على تنظيم عملية الجباية واستحصال أجور الاستهلاك من المواطنين.”
وقال الهماش: إن “مشروع الخصخصة طبق في مناطق ذات كثافة سكانية محدودة نسبياً وميسورة مادياً مثل المنصور والحارثية وزيونة وجميلة”، موضحاً، أن “المشروع يختص بإدارة وتوزيع الطاقة الكهربائية وليس إنتاجها، الأمر الذي يجعله عرضة للتأثر بأية أزمة تواجه منظومة الإنتاج الوطنية”.
وأضاف، أن “مشكلة الكهرباء في العراق ترتبط أساساً بضعف الإنتاج وعدم استقرار مصادر الطاقة”، مشيراً إلى أن “أي تراجع في كميات الكهرباء الوطنية ينعكس مباشرة على المناطق المشمولة بالخصخصة، شأنها شأن بقية مناطق البلاد”.
وبيّن الهماش، أن “الشركات الاستثمارية المكلفة بإدارة المشروع تتولى مهام التوزيع والجباية مقابل عقود مبرمة مع وزارة الكهرباء، لافتاً إلى أن دور هذه الشركات لا يتجاوز في جوهره تنظيم استحصال الإيرادات وتحسين الجباية، دون أن يكون لها تأثير مباشر في زيادة الإنتاج أو معالجة الاختناقات التي تعاني منها المنظومة الكهربائية.”
وشدد على “ضرورة تطوير آليات استحصال أجور الكهرباء عبر اعتماد أنظمة الجباية الإلكترونية الحديثة، أسوة بما هو معمول به في العديد من دول الجوار والعالم، بما يسهم في تقليل الهدر المالي ورفع كفاءة التحصيل دون الحاجة إلى الاعتماد على نماذج الخصخصة التي لم تحقق النتائج المرجوة في معالجة أزمة الكهرباء المزمنة”.
وكانت وزارة الكهرباء قد شرعت خلال السنوات الماضية بتنفيذ مشاريع إدارة التوزيع والاستثمار في عدد من المناطق السكنية، وتوسيعها مستقبلاً لجميع محافظات العراق بهدف تقليل نسب الضائعات الفنية والتجارية، ومعالجة التجاوزات على الشبكة الكهربائية مقابل تقديم خدمة أكثر استقراراً للمواطنين.



