حين لا نحسن قراءة ما بين السطور

بقلم: د. ادريس هاني..
حين نفقد ملكة القراءة بين السطور، نقع مرة أخرى في النظرة التبسيطية سواء للأحداث أو النصوص. لهذه القراءة شروط أهمها تجاوز المجازات إلى الحقائق، فالكتابة في سياق صعب تخفي المباشرة في الاستعارة والتخصيص في التعميم، لأن بنية النص هي من يحسم في سياسة المعنى. وقد أكدنا مرارا أن التحليل السياسي الفاقد لمعطيات حقيقية، يصبح ضرباً من الكهانة: استقراء واستشرافا، دائما نواجه مشكلة الروية وهي الفريضة الغائبة في قراءاتنا، لأن الأمر بالفعل هو بالغ التعقيد.
حين نتحدث عن الفكر التعقيدي، فهذا هو المنظور الذي يقينا من التبسيط. وجب استيعاب التبسيط ليس في تجريد المفهوم، بل في وظيفته داخل بنية متوترة لنص لا تنتظر منه المباشرة. سيكون بالفعل من التبسيط قراءة نص متوتر دون فقه المجازات التي بها نحيا؛ فالعرب، وإمعانا في النذير، تطلق العام على الخاص، كما يصار إلى التعميم حين تكتسب الظاهرة لها قوة وتصبح تيارا غالبا، فلا نأخذ التعميم هنا إلا بمعنى التغليب. فالقراءة بين السطور وحدها تمنح التعميم صفة الإنذار بظاهرة لا تحسب إلا تغليبا لا استغراقا.
لا يوجد في النصوص التي تمتاح من شروط التعقيد ما يتعالى على الواقع، ولكنها لا تسمح بأن تكون نصوصاً باردة تبسيطية خلوا من مضمون جاد.
التعالي بالواقع من منظور الفكر التعقيدي ليس تجريدا، بل ضبطا للفجوة، لما لا يقشعه البصر وتحدسه البصيرة، إنها قراءة كما كررنا مرارا جاءت لتجاوز أخطاء بارالاكس.
تبقى النصوص ذات النمط التعقيدي وليس المعقد، تفرض روية خاصة. وهو ما يتعذر في الغالب، ما يؤكد أهمية الخروج من ضغط أحكام قيمة إلى خيار التأويل، يكتب ليو ستراوس واحدة من أهم أعماله التي لا يقرؤها العرب إلا ما ندر ندرة الكبريت الأحمر: “الاضطهاد وفن الكتابة”، وهو وحده يضع القارئ أمام مسؤولية الروية والتأويل وقواعد القراءة الموضوعية لما أنتجته شروط الرقابة والاضطهاد. وجب إذن ألا نعمم أنماط وشروط الكتابة عبر مقارنات قياسية غير اقترانية، فاقدة للوسط-الحجة، فذلك هو التبسيط المخل بالمقاربة التعقيدية.
ليس في النص التعقيدي الطافح بالأمل والإصرار على مقاومة التبسيط، ما يربك المتلقي، بقدر ما تربكه الأعطاب التي يتعذر تفسيرها أو حين لا نعزز مناعته ضد المغالطة أو حين لا ننمي لديه الحس النقدي، فما يبدو تعاليا مجردا ينطلق من خارج الميدان هو في صلبه الميدان، نظرا لخبرته بما يجري في قلب الميدان، إذ مجرد افتراض الجهل بالميدان هو حكم قيمة غير واقعي، ولأن جوهر الخطاب التعقيدي المعتمد هاهنا ليس إنشاءً فضولياً، بل هو ملامسة للحدث الميكروسكوبي الذي غالباً ما تتجاهله لعبة الميديا.



