يوقفون الدوري.. ويغتالون المواهب!

محسن التميمي..
قرار اتحاد كرة القدم إيقاف دوري نجوم العراق لمدة 21 يومًا من أجل إعداد فريقنا الوطني لمباراتي المُلحق مع منتخب الإمارات، فيه الكثير من الظلم والإجحاف بحق اللاعبين الشباب الآخرين الذين يُفترض أن يحصلوا على فرصتهم بغياب لاعبي المنتخب الوطني، واكتشاف مواهب جديدة كانت مندثرة على دكّة البدلاء.
يمكن أن تكون المباريات التي سيلعبونها مع فرقهم انطلاقة مهمّة لجيل جديد من اللاعبين، بدلاً من طمرهم ونسيانهم، حالهم حال الكثير من اللاعبين الذين لم يحصلوا ولو على خمس دقائق لإثبات وجودهم مع فرقهم، وهي طامة كبرى تعاني منها كرة القدم العراقيّة منذ زمن بعيد جدًّا!
الأغلبيّة من مدرّبي فرقنا المحليّة ينزعجون جدًّا ويبدون رفضهم وتذمّرهم عندما تُحدّثهم عن منح الفرصة للاعبين الشباب، وعدم زجّهم بشكل أساسي في التشكيلة، وهُم يتحجّجون بأن اللاعب الشاب لا يستطيع المقاومة والمطاولة وتخونه اللياقة البدنيّة، وهو بذلك يُدين ذاته، لأنه السبب الرئيس الذي يقف خلف ذلك!
أثبتت مباريات الدوريّات الأوروبيّة ودوري الأبطال أن كرة القدم العالميّة أصبحت تعتمد على اللاعبين الصغار في السنّ، مثلما يُزجّ بهم أغلب فرق الدوريّات الأوروبيّة، وفي مقدّمتهم مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان وبرشلونة وليفربول، وفرق أخرى اعتمدت على لاعبين شباب تتراوح أعمارهم ما بين 18 و19 و20 عامًا. هؤلاء أثبتوا مهاراتهم وحُسن تصرّفهم، لأن المدرّبين الذين يشرفون على تدريبهم يتمتعون بقوّة الشخصيّة والشجاعة، وعدم الانصياع لطلبات إدارات الأندية، بل يرفضونها جملة وتفصيلاً ويتمسّكون بقناعاتهم المبنيّة على الثقة والتجربة والتفكير الصحيح!
في السابق كان اتحاد كرة القدم العراقي يفرض رأيه، ويُجبر جميع الأندية على ضرورة تأهيل خمسة لاعبين من فرق الشباب إلى الفريق الأوّل، حتى صارت لدينا قاعدة كبيرة وواسعة من اللاعبين. ولم يكن لدينا نظام الاحتراف في حينها، لأن اللاعبين الصغار عندما يتمرّنون مع عمالقة اللعبة يزدادون خبرة وتجربة وثقة بالنفس، وفي حال زجّهم في مباريات الدوري المحلّي يثبتون وجودهم. والأغلبية من نجومنا الكبار تخرّجوا من فرق الشباب وأصبحوا فيما بعد من الركائز المهمّة في المنتخبات الوطنيّة، لأنهم تدرّجوا خطوة خطوة بالشكل الصحيح من الأشبال إلى الناشئين إلى الشباب وهكذا (بيانو بيانو مثلما يقول الطليان).
مع أن اتحاد كرة القدم الإيطالي لم يفعل بنظام أو مبدأ “الخطوة خطوة” حتى أصبح المنتخب الإيطالي فقيرًا من الناحية الفنيّة، وهو يعاني سوء النتائج، خاصّة خلال مدّة تولّي سباليتي مهمّة تدريبه!
قرار إيقاف مباريات دورينا سيعود بالضرر على الإدارات والمدرّبين واللاعبين، وحتى على اتحاد كرة القدم الذي عطّل دوران عجلة دوري نجوم العراق، وهو يعلم أن تدني المستوى الفني لفريقنا الوطني حصل بسبب عدم وجود العدد الكافي من اللاعبين النجوم بين صفوفه!
وربّما لم يكن قرار اتحاد كرة القدم العراقي هذا غريبًا، خاصّة أن اتحاد الكرة ذاته هو من اعتمد على اسم مجهول تمامًا ليقوم بمهمّة تدريب فريقنا الوطني ويسهم بوصوله إلى هذه المرحلة الحرجة جدًّا!
في مباراة مهمّة لفريق الشرطة في الدوري المحلّي، زجّ المدرب الدكتور كاظم الربيعي بلاعب شاب بعمر صغير جدًّا، وقد أثبت وجوده مع اللاعبين الكبار الذين كانوا يحجزون أماكنهم في التشكيلة الأساسية.
عندما سألنا الدكتور كاظم الربيعي يوم كان يقود الشرطة في حينها: “كيف أشركت هذا اللاعب الصغير وإدارة نادي الشرطة وجماهيره دائمًا يطالبون بالنتائج الإيجابيّة، وهو يكون ضحيّة في حالة تعثر الفريق؟”
ردَّ الربيعي بثقة عالية: “على المدرب أن يمنح اللاعبين الشباب صغار السنّ الفرصة بشكل تدريجي من أجل زيادة ثقتهم بأنفسهم حتى يصلوا إلى مرحلة عدم الخوف والرهبة من مباراة إلى أخرى، وبذلك نكون قد صنعنا لاعبًا جديدًا في تشكيلة فريقنا، وهكذا يكون الحال مع بقيّة اللاعبين الشباب الآخرين، ولا نزرع في نفوسهم اليأس والإحباط ونحن نهملهم، سواء بشكل متعمّد أو غيره!“
ربّما لن نشاهد فريقا محلّيًّا يضم نصفا، أو حتى رُبعا، من تشكيلة اللاعبين الشباب بعد مدّة طويلة من الآن، وينطبق الأمر على المنتخب الوطني الأوّل بسبب عدم ثقة المدربين بأنفسهم!



