اراء

إيران تتحدى الحصار البحري الأمريكي

بقلم: د. حامد أبو العز..

في لحظات التحول التأريخية الكبرى لا تكون القوة دائما بعدد السفن المنتشرة في البحار، ولا في حجم العقوبات المعلنة على شاشات الأخبار، بل في قدرة الشعوب والدول على التكيف والصمود وإعادة بناء توازنها وسط العواصف. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران بوصفه محاولة جديدة لإخفاء خسارة سياسية واستراتيجية في الحرب على طهران عبر اللجوء إلى أدوات الضغط الاقتصادي والمعيشي، في استهداف مباشر للشعب الإيراني وحاجاته الأساسية، أكثر مما هو استهداف لقدرات الدولة العسكرية نفسها.

فالولايات المتحدة، حين تعجز عن تحقيق أهدافها عبر المواجهة المباشرة، تميل إلى نقل المعركة إلى ميدان آخر هو ميدان الاقتصاد، والغذاء، والدواء، وسلاسل الإمداد. وهنا يظهر الحصار البحري كوسيلة ضغط تبدو في ظاهرها أداة سياسية، لكنها في جوهرها تحمل طابعا عقابيا جماعيا. فحين يجري تعطيل الموانئ ومنع تدفق السلع الأساسية والأدوية، فإن الرسالة لا تعود موجهة فقط إلى النظام السياسي، بل إلى المجتمع بأسره، في محاولة لإرهاقه وإضعاف تماسكه الداخلي. غير أن مثل هذه السياسة، مهما بلغت شدتها، تكشف أيضا عن مأزق حقيقي. إذ إن الدولة التي تلجأ إلى محاصرة شعب كامل، تبدو كأنها تبحث عن تعويض عجزها عن فرض إرادتها بوسائل أخرى غير إنسانية.

ويضاف إلى ذلك عامل داخلي بالغ الأهمية، يتمثل في أن جزءا كبيرا من السلع الأساسية والإنتاج الحيوي يصنع داخل إيران نفسها. هذه الحقيقة تمنح الاقتصاد الإيراني قدرة على امتصاص الصدمات أكبر مما يتخيله خصومه. صحيح أن الضغوط الاقتصادية تترك آثارها الثقيلة، ولا يمكن التقليل من تحدياتها، إلا أن وجود قاعدة إنتاج محلية واسعة يقلل من فاعلية الحصار ويحدُّ من قدرته على تحقيق الغاية المرجوة منه. بل إن مثل هذه الضغوط قد تدفع إلى مزيد من الاعتماد على الذات، وإلى تنشيط القطاعات الوطنية، وإلى تحويل التهديد الخارجي إلى حافز داخلي لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية.

ولهذا، فإن وصف ما يجري بأنه قرصنة بحرية ليس مجرد تعبير بلاغي، بل توصيف سياسي وأخلاقي يعكس طبيعة السلوك القائم على اعتراض التدفقات التجارية وتعطيل الملاحة وفرض الإرادة بالقوة خارج الأطر القانونية المتفق عليها دوليا. والخطر هنا لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتد إلى مبدأ أمن الملاحة العالمية نفسه. فإذا بات من المقبول أن تستخدم الممرات البحرية وسيلة ضغط أحادية، فإن العالم كله يصبح أمام سابقة خطيرة تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والتوترات في البحار الدولية.

والأخطر من ذلك أن الحصار البحري، وإن قُدم على أنه أداة ضغط محسوبة، يحمل في طياته احتمالات انفجار واسع. فمثل هذه الأدوات ليست معادلات جامدة يمكن التحكم بها دائما، بل هي بيئات مشحونة بالتوتر، يكفي فيها خطأ واحد في الحسابات أو حادث محدود أو قراءة خاطئة للنوايا كي تنزلق الأمور إلى مواجهة شاملة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى. فالوسيلة التي صممت للضغط ومنع الحرب، قد تصبح نفسها الشرارة التي تعيد إشعالها. وهذا ما يجعل الحصار البحري ليس فقط إجراءً عدائيا، بل أيضا مقامرة خطيرة بالأمن الإقليمي والدولي.

وفي هذا المعنى، يبدو الحصار كأنه سلاح يرتد على مطلقه. فبدلا من أن يعزز موقع الولايات المتحدة، يزيد من أعبائها ويكشف حدود قدرتها على إدارة الأزمات المعقدة دون أن تدفع هي نفسها ثمنا مباشرا. كما أنه يضيف قدرا جديدا من الاضطراب إلى عالم يعاني أصلا هشاشة اقتصادية وتوترات في سلاسل التوريد وأسعار الطاقة والغذاء. ومن ثم، فإن هذا الخيار لا يبدو تعبيرا عن قوة استراتيجية واثقة، بقدر ما يبدو تعبيرا عن ارتباك سياسي يحاول تعويض الإخفاق بمزيد من التصعيد.

في النهاية، تكشف هذه الأزمة أن الحصار، مهما اشتد، لا يكفي لكسر دولة تمتلك عمقا جغرافيا، وقدرة على التكيف، وقاعدة إنتاجية داخلية، وإرادة صمود متجذرة. كما تكشف أن اللجوء إلى خنق الشعوب ومعاقبتها لا ينتج استقرارا، بل يراكم الأزمات ويفتح أبوابا جديدة للفوضى. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على الحصار، بل على إدراك أن السياسات العدوانية، مهما لبست ثوب الضغط المشروع، تظل عاجزة عن صناعة نصر مستدام. أما الشعوب التي تعرف كيف تعيد تنظيم نفسها تحت الضغط، فإنها غالبا ما تحول الحصار من أداة إخضاع إلى مناسبة لإثبات القدرة على الصمود وإعادة صياغة القوة من داخل المحنة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى